لم تكن الأشجار المعمرة في منطقة عسير مكانا للاسترخاء والراحة في ظلال أوراقها الكثيفة، أو موردا غذائيا للبشر والحيوانات، بل ارتبطت مع الإنسان منذ عصور قديمة بعلاقات اجتماعية وثقافية ومادية.
وأوضح الباحث والمؤرخ محمد حسن غريب في حديثه لـ"واس" أن الأشجار المعمرة كانت أحد أهم مقومات الحياة الاجتماعية في منطقة عسير، وتتعدد أدوارها في النظام الاجتماعي والمعيشي، حيث يمكن تصنيفها إلى قسمين، الأول هي الأشجار المعمرة ذات النفع العام مثل "التالقة" و"الجميز" واسمهما المحلي "البراية" وشجر "السدر".
وبين أن ظل هذه الأشجار، كان المكان المفضل لتدريس النشء قديما على نظام "الكتاتيب"، وكانت تعقد تحتها التجمعات القبلية لتدارس الأمور المجتمعية والتشاور فيما بينهم، إضافة إلى الاستفادة منها كمكان لتدريس القرآن الكريم وعلومه بما يسمى "المعلامة".
، وذلك بفضل ظلها الممتد، الذي يبدأ مساحة قطرها من عشرة أمتار إلى 50 مترا، وتعد تلك الأشجار من ذوات النفع العام، خصوصا التي تنبت بجوار المساجد والساحات العامة أو على ضفاف الأودية.
وأضاف غريب أن من أشهر هذه الأشجار شجرة "الجميز" الواقعة في وادي رحب بمحافظة رجال ألمع، ويبلغ عمرها حسب الدراسات التي أجراها عليها علماء النبات أخيرا 700 عام، وهي شجرة عملاقة يبلغ محيط ساقها أمتارا، واشتهرت بأنها مكان لتعليم الأطفال وشباب القرى المجاورة في الماضي.
ولفت إلى أن أغصان تلك الشجرة الضخمة في حجمها مقسمة بين عدد من أسر القرية قديما، وكانت كل أسرة تنتفع بعدد من أغصانها وتستفيد من ثمارها في علف الحيوانات أو صناعة خلايا النحل الخشبية، التي تشتهر بجودتها أشجار "الجميز".
والنوع الآخر من تلك الأشجار، هي التي تقع في حدود المدرجات الزراعية أو الأملاك الأهلية، وتعد من الأملاك الخاصة ولا يحق لأحد الانتفاع بها إلا صاحبها أو من يأذن له، وتعامل تلك الأشجار ومنها "السدر" المنتشر بكثرة في أودية تهامة، معاملة الأراضي الزراعية في التملك من خلال أوراق مبايعة وشراء معتمدة في العرف القبلي قديما.

