الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

خلدت دول العالم الأربعاء المنصرم 20 شباط (فبراير) اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية؛ الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 10/62 في شهرتشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2007. وكان شعار هذه السنة "العمل لأجل العدالة الاجتماعية طريقنا للسلم والتنمية"، وذلك على اعتبار أن العدالة الاجتماعية مبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي بين الأمم، الذي يتحقق في ظله الاستقرار والازدهار.

اعتمدت منظمة العمل الدولية بالإجماع إعلانها بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة، في 10 حزيران (يونيو) 2008، الذي كان بمنزلة البيان الرئيس الثالث للمبادئ والسياسات منذ صدور دستور منظمة العمل الدولية عام 1919. ويبنى هذا البيان على إعلان فيلادلفيا لعام 1944، والإعلان المتعلق بالمبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998، ويطرح رؤية معاصرة لمنظمة العمل الدولية في حقبة العولمة.

شكل هذا اليوم مناسبة للوقوف على مدى التحسن الحاصل على الصعيد العالمي بشأن مسألة العدالة الاجتماعية؛ بعد مضي عقد من الزمن على إقرار هذا اليوم العالمي. نجد في التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2017 / 2019 الصادر بعنوان "حماية اجتماعية شاملة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة" أرقاما مخجلة، إذ لا تتعدى نسبة من يتلقون فعليا إعانة اجتماعية واحدة على الأقل 45 في المائة فقط عالمية، فيما تبقى نسبة 55 في المائة ؛ نحو أربعة مليارات شخص، دون حماية.

وفق ذات التقرير، لا تتجاوز نسبة الحاصلين على ضمان اجتماعي شامل 29 في المائة فقط من سكان العالم، ما يعني زيادة طفيفة بدرجتين عن تقرير 2014 / 2015. في حين أن 71 في المائة من السكان، أي ما يعادل 5.2 مليار نسمة، يبقون في حالة غير المشمولين بشكل نهائي أو المشمولين جزئيا فقط. ويبقى سد الفجوة بين الجنسين في المشاركة في قوة العمل من القضايا المؤرقة للمنظمة، إذ لا تسهم سوى 48 في المائة من النساء في سوق العمل مقارنة بنسبة 75 في المائة من الرجال.

تظهر البيانات الجديدة التي تضمنها التقرير، أن غالبية الأشخاص النشيطين في سوق الشغل خلال عام 2018، ظلوا يعانون إحساسا بقلة الأمان لعدم كفاية الأمن الاقتصادي والرفاه المادي وتكافؤ الفرص. الرأي ذاته أكده دايميان جريمسو مدير البحوث في منظمة العمل الدولية، حين اعتبر أن التواجد في العمل لا يضمن دائما العيش الكريم. فعلى سبيل المثال، يعيش أكثر من 700 مليون شخص في فقر شديد أو فقر معتدل رغم توافرهم على وظيفة.

لا تبدو هذه النتائج مفاجئة، فالمتابع باستمرار لتقارير منظمة العمل الدولية يدرك أن الأوضاع تسير في هذا المنحى. وقد سبق للمنظمة أن أصدرت السنة الماضية (2018) تقريرا موضوعات بعنوان "عالم التوظيف والتوقعات الاجتماعية: اتجاهات عام 2019" خلص إلى أن العالم يحرز تقدما، وإن بمعدلات بطيئة جدا، بشأن خفض معدلات البطالة، لكن ظروف العمل السيئة، وقلة فرص العمل اللائق، تبقى التحدي الأكبر للناس في أسواق العمل في كثير من دول العالم.

يخلص تقرير المنظمة في إحدى فقراته إلى أن الرهان وراء الاحتفاء بهذه الذكرى سنويا يظل هو "إزالة الحواجز التي تواجهها الشعوب بسبب نوع الجنس أو السن أو العرق أو الانتماء الاثني، أو الدين أو الثقافة أو العجز حتى نقطع شوطا بعيدا في النهوض بالعدالة الاجتماعية". لكن معدي التقرير ينسون أو بالأحرى يتناسون أن سؤال العدالة الاجتماعية رديف إشكالية العدالة الاقتصادية؛ فهما وجهان لعملة واحدة، لا يستقيم مطلقا منهج الفصل بينهما.

فأحدث الأرقام تفيد أن عدم العدالة في المقياس العالمي في توزيع الدخل إحدى مشاكل العالم المتفاقمة، فنحن نعيش الآن في عالم فيه نسبته 0.7 في المائة؛ أي أقل من 1 في المائة، تسيطر على 44 في المائة من ثروات العالم. وفي مقابل هذا، لا يملك 70 في المائة من سكان العالم سوى 3 في المائة من ثروات العالم. هذا الشكل من التوزيع في العالم لم يشهده تاريخ الإنسانية.

بالأرقام وبشكل واضح، كشف تقرير لمنظمة "أوكسفام الدولية" اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في العالم، وازدياد تركز الثروات في أيدي قلة من الأفراد؛ خلال السنة الماضية، بعدما بات 26 مليارديرا فقط في العالم يملكون أموالا تساوي ما يملكه النصف الأفقر من البشرية، والمقدر بأزيد من 3.8 مليار فقير. فقد ازدادت ثروات المليارديرات بنسبة 12 في المائة العام الماضي، أو بقيمة 2.5 مليار دولار في اليوم، في حين أن 3.8 مليار فقير في العالم، تراجعت ثروتهم بنسبة 11 في المائة عن السنة نفسها. في الاتجاه نفسه، يفيد تقرير المنظمة بأن عدد المليارديرات تضاعف تقريبا منذ الأزمة المالية سنة 2008، أكثر من هذا، وشهد العالم ما بين عامي 2017 و2018 ظهور ملياردير جديد كل يومين تقريبا. ومع ذلك يصر الأفراد والشركات الغنية على دفع معدلات ضريبية أقل مما كانت عليه في عقود. بل إن ضرائب عديدة (الثروة، الملكية...)، بحسب التقرير، تراجعت أو ألغيت في عديد من البلدان الغنية، وتنفذ بالكاد في العالم النامي.

من المقارنات الرقمية التي يعرضها معدو التقرير، أن دفع أغنى 1 في المائة من الأثرياء نحو 0.5 في المائة فقط من الضريبة الإضافية على ثرواتهم، يمكنه أن يعمم التعليم على 262 مليون طفل موجودين خارج المدرسة، وتوفير الرعاية الصحية التي من شأنها إنقاذ أرواح 3.3 مليون شخص في العالم.

إن السعي لتحقيق عدالة اجتماعية منصفة في العالم، لا يعدو أن يكون تحويرا للأنظار عن أصل المشكل المرتبط. أكثر من ذلك، لا تعدو العدالة الاجتماعية أن تكون سوى فرع من إشكال كبير هو العدالة الاقتصادية، إذ بضمان توفير هذه الأخيرة تنقضي وتتوارى أسئلة الأولى. وهذا هو الرهان الحقيقي الذي على الهيئات الدولية والحكومات السعي لتحقيقه، فالناس؛ بحسب ما جاء في التقرير، "في جميع أنحاء العالم غاضبون ومحبطون. يجب على الحكومات الآن إحداث تغيير حقيقي من خلال ضمان قيام الشركات والأفراد الأثرياء بدفع نصيبهم العادل من الضرائب. ويمكن للحكومات بناء مستقبل أكثر إشراقا للجميع، وليس لمجرد قلة محظوظة".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية