على مدى عقود مضت ظلت الوظائف الموسمية والتجارة الموسمية وسيلة السعوديين من ذوي الدخل المحدود لتعزيز دخلهم أو طريقة العاطلين للحصول على دخل لحين الحصول على عمل، إلا أن ذلك كله بات من الماضي، بعد أن دفعت برامج التوطين والسعودة التي طالت عددا كبيرا من القطاعات في سوق العمل المقيمين إلى مزاحمة السعوديين على تلك المهن البسيطة مثل بيع الشاي على الطرقات أو منتجات الخضار أو حتى بيع الفقع أو بسطات الملابس الشتوية أو عربات المطاعم المتنقلة "فود ترك".
يقول لـ"الاقتصادية" عدد من الشباب السعوديين إن منع الوافدين من العمل في قطاع الاتصالات وتأجير السيارات وقطع غيار السيارات جعل بعضهم يتجه إلى الأعمال الحرة البسيطة التي كانت شبه محصورة على السعوديين شبابا وفتيات، وهنا أوضح أحد الباعة أن أرباح التجارة في فصل الشتاء قد تصل في بعض المواسم إلى 11 ألف ريا`ل شهريا كحد أدنى، فيما يصل الربح اليومي لبعض المواسم إلى 1500 ريا`ل تقريبا بحسب اختلاف تجارته، ولكن مع بدء دخول الوافدين لهذا النوع من التجارة بدأت تتراجع الأرباح.
تجارة الحطب والفقع وشاهي الحطب، بل حتى الألعاب الإلكترونية وإكسسوارات الجوالات والملابس الشتوية عند المطاعم، وأنواع مختلفة من التجارة الموسمية التي يمارسها عدد كبير من الشباب السعوديين أصبحت مطمعا للمقيمين الذين تم منعهم من العمل في مهن تم اقتصارها على السعوديين خلال عام 2018.
تشمل التجارة الموسمية المتاجرة في صنف واحد لفترة زمنية محددة تراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، لينتقل بعدها التاجر إلى صنف أو تجارة أخرى، وذلك تبعا لتغير الظروف سواء نمط الاستهلاك مثلما يحصل في بضائع الصيف أو الشتاء، كما أنها تتسم بممارستها في الطرق والأماكن العامة ودون الحصول على أي ترخيص.
ويقول أحمد عبد المحسن وهو أحد من يستغل موسم الفقع للعمل والتجارة إن التجارة في سوق “الكمأة” مع مطلع كل شتاء تحقق أرباحا جيدة.
ويضيف: “المصادر الأساسية للفقع أو ما يعرف “بالكمأة” هي حفر الباطن والزلفي والقصب والدوادمي والصمان، وتبدأ أسعار الفقع من 1500 ريال إلى 7000 ريال حسب حجم الوزن، ويراوح المكسب في الصندوق الواحد إلى الضعف بمعنى أن الصندوق المشترى بـ500 ريال يمكن بيعه بـ1000 ريال إلى 4000 إذ يتم استيراد بعض الأنواع من دول عربية كالجزائر وليبيا والمغرب، موضحا أن مكسب الكرتون الواحد يصل إلى 150 ريالا كحد أدنى وقد يصل إلى 250 ريالا.
ويؤكد عبد المحسن أنه وفي حال انتهى موسم الفقع يبدأ العمل في مهن موسمية بديلة كالخضار والفواكه الأخرى، ولكن أيضا هنا بدأ يلحظ وجود عمالة من كل الجنسيات بدأت بيع الخضار على الطرقات.
من جهته يقول شاب سعودي آخر، إنه يقوم بالشراكة مع عدد من أصدقائه بشراء شحنة خضراوات كبيرة بسعر جيد، ومن ثم يتم تقسيمها على الشركاء بشكل عشوائي ولكن بالتساوي، ومن ثم يتم تصريفها بالمفرد، ما يحقق ربحا جيدا للجميع وفي مدة لا تتجاوز يومين إلى ثلاثة أيام. ويتابع: “في غير موسم الفقع نتجه إلى العبري والفواكه الشتوية، حيث نقوم بشراء كمية كبيرة تصل إلى 40 كرتونا وتخزينها في أماكن مخصصة باردة ومن ثم بيعها بالكيلو ويبدأ المكسب في الكيلو من سبعة ريالات إلى 20 ريالا في كل كيلو بحسب نوع العبري وجودته”.
وفي حديث أحد الباعة عن مكسب الخضار قال، إن شحنة السيارة كاملة يبلغ سعرها 3000 ريال ويكسب 1500 ريال، إضافة إلى رأس المال الأساسي أي بما يعادل 300 ريال يوميا كحد أدنى وأن أحد أسباب النجاح لتجارة الخضار تغيير أماكن البيع كي تستهدف أكبر عدد من الزبائن.
في المقابل يرى أحد باعة شاهي الحطب والكرك والقهوة العربية أن سر مكسبهم هو قلة تكلفة هذه التجارة ماديا، موضحا أنها لا تحتاج إلا بعض الأساسيات وفي الوقت نفسه مربحة بشكل جيد.
وأضاف أن هذه التجارة تغنيهم عن وظائف بسبب الدخل الثابت ومرونة أوقات العمل وقال، إن الدخل الشخصي له قد يصل إلى 11 ألف ريال شهريا وقد يصل إلى أكثر من ذلك بحسب أوقات العمل والارتباطات الشخصية وهي مكاسب تغطي مصروفات عائلته.
على صعيد آخر رصدت “الاقتصادية” خلال جولتها على عدد من مواقع البسطات وممتهني الأعمال الموسمية، انتقال التستر التجاري من المحال إلى عربات الطعام المتنقلة “فود ترك” ووجود عدد من المقيمين للعمل في العربات كبائعين.
ورغم أن قوانين العمل والبلديات تمنع عمل غير السعوديين في مجال المطاعم المتنقلة، إلا أن وجود المقيمين بدا واضحا في عديد من مواقع وجود تلك المطاعم، إذ ساعد ضعف الرقابة في انتشار الظاهرة.
ويبدو وفق مراقبين أن محاصرة نشاط التستر التجاري الذي كان قائما على قدم وساق في السوق، جعل من المتسترين والمتستر عليهم يجدون ضالتهم في نشاط “الفود ترك”، الذي يحظى بتكلفة ورقابة أقل ومرونة تخف أكبر.
وفي هذا الصدد قالت لـ”الاقتصادية” وزارة الشؤون البلدية والقروية متمثلة في إدارة العلاقات العامة أن اللائحة الخاصة باشتراطات العربات المتجولة لبيع الأغذية تنص على أن الترخيص يقتصر على الأفراد السعوديين إضافة إلى أنه يجب على صاحب الرخصة الالتزام بالعمل بنفسه في السيارة المتجولة.
من جهته قال أحمد الشهري مختص في السياسات الاقتصادية إن تسرب العاملين الأجانب إلى الأسواق غير الرسمية يعد أمرا طبيعيا ولا سيما أن متطلبات الحياة للبقاء في المملكة تتطلب البحث عن عمل غير رسمي أو العمل ضمن الأعمال الموسمية أو الأعمال التي لا تحتاج إلى تراخيص أو حتى محاولة البيع على الأرصفة بطريقة ما بهدف توفير دخل.
وأضاف الشهري أن الأعمال الإضافية أو الأعمال الموسمية تساعد في زيادة الدخل للأسرة والفرد ومن المؤسف أن أغلب من يبحث عن أعمال إضافية غالبا هم من أصحاب العجز المالي بسبب انخفاض الدخل أو عدم وجود وظيفة ثابتة، مشيرا إلى أن الأعمال الموسمية أصبحت مقصدا لبعض الأسر التي لديها ديون طويلة الأجل، وعلى الرغم من أنه يمثل عبئا صحيا على رب الأسرة إذا كان متقدما في السن إلا أنها في الوقت نفسه تعد ملائمة للشباب ومن يبحثون عن خوض تجارب العمل الحر والمهنة وكسر الحاجز النفسي السلبي من ممارسة الأعمال.
وأشار إلى أن الأعمال الموسمية ستغير من السلوك الاستهلاكي غير الرشيد لبعض الأفراد وأن الأعمال الموسمية فرصة جيدة لزيادة الإيرادات السنوية للأسرة بشكل عام وبشكل خاص التي عليها ديون طويلة الأجل، وعلى الرغم من تلك المنافع إلا أنني أشدد على أهمية عدم الانخراط في أي ديون تزيد على خمس سنوات حتى لا يتأثر الوضع المالي للأسرة.
من جانبه قال سلطان السحمة متخصص في الموارد البشرية إن انتقال العمالة الوافدة إلى ممارسة العمل لحسابهم الخاص كظاهرة بيع الشاي في الشوارع وغيرها من الأعمال المشابهة مع أنها في السابق كانت شبه محصورة على السعوديين وهذا كان نتاج توطين عديد من الوظائف في القطاع الخاص لكن نأمل أن تتم معالجة هذه الظاهرة لأنها تعد مخالفة للمادة الـ39 من نظام العمل.
من جهته قال لـ”الاقتصادية” عيسى العيسى المتحدث الرسمي للهيئة العامة للجمارك إن واردات المملكة من الحطب والفحم خلال العام الماضي، بلغ وزنها 4.8 طن بقيمة تتجاوز 5.5 مليون ريال، مضيفا أن أبرز الدول التي يتم الاستيراد منها هي جنوب إفريقيا وأوكرانيا وأمريكا وفيتنام ونيجيريا.
وبالعودة إلى الجانب الاقتصادي قال عبد العزيز الدعيج مستشار اقتصادي إن التجارة الموسمية هي نمط تعايشي منذ القدم ومتعارف عليه وله مردود اقتصادي واجتماعي على العاملين فيه.
وبين أن التجارة الموسمية كانت تقتصر على المشاركة في إنجاز بعض الأعمال في المجال الزراعي كموسم بذر التقاوي والحصاد وتقليم وتلقيح النخل وجني الثمار، موضحا أن هذه التجارة تطورت في الآونة الأخيرة وأصبحت لها أنظمة من قبل الأجهزة الحكومية المعنية والمشرفة عليها.
وأكد أن النوع من التجارة حاليا شهد دخول أنشطة جديدة فيه وفق متطلبات التنمية الحالية التي تمر بها المملكة وفق ما خطط لها سابقا ضمن خطط التنمية وضمن “رؤية المملكة 2030”.
وبين أن التوسع في الأنشطة بمختلف أنواعها التجارية والزراعية والصناعية والخدمية كانت هناك حاجة ماسة إلى وجود عمالة موسمية تقوم بإنجاز تلك الأنشطة في وقتها المحدد وعليه اضطرت أصحاب الأعمال لاستقطاب واستقدام حاجاتهم من تلك العمالة من الخارج، وقد أدى ذلك إلي مزاحمة المواطنين في القيام بهذا النوع من التجارة، ما أدى إلي تذمر العمالة المحلية وتقليص الدخل المالي لهم. وأشار الدعيج إلى أنه في الآونة الأخيرة ازداد دخول العمالة الأجنبية في هذا المجال نظرا لقيام وزارة العمل بسعودة وتوطين عديد من الأنشطة التي كان تديرها العمالة الأجنبية وتحولهم إلى الأنشطة الموسمية في جميع الأنشطة، وهذا يندرج من ضمن التستر للعمالة وسينتج عنه عدة آثار سلبية تنعكس على جودة وفعالية إنجاز هذه الأعمال، ما قد يكون له أثر سلبي على اقتصاد الوطن، كما سيؤثر سلبا في سلوك المواطنين العاملين في هذا النوع على انخفاض مدخولاتهم المالية.






