"ما معنى أن تعيش في مدينة ذكية؟" هكذا يتردد السؤال ذو الإجابات المتعددة على ألسنة الخبراء والمختصين، لكن السؤال الأهم الذي تبدو إجابته غير واضحة "هل تستغني عنا المدن الذكية؟"، بحيث تقتصر الوظائف – عصب الحياة للطبقات المتوسطة -، على التطبيقات الإلكترونية والروبوتات، ويحال البشر إلى المعاش.
روبوتات تقدم خدماتها لرواد المقاهي والمطاعم، وأخرى تجري عمليات في المستشفيات، و"درون" يطير محلقا يوصل طلبا هناك ورسالة بريد هنا، تلك الصورة العامة، لكن ما مصير الإنسان؟ هل سيكتفي بدور المستهلك، أم تلك نظرة قاصرة لآفاق ضخمة؟
ولأن السنوات العشر الأخيرة كانت بمنزلة طفرة تكنولوجية في العالم، خصوصا في صناعة الروبوتات والأجهزة اللوحية، بات مصطلح "المدن الذكية" مرتبطا بها. لكن المسألة قديمة قدم مدن شيدت لأهداف اقتصادية محددة كمدينة الجبيل الصناعية في السعودية المولودة في منتصف سبعينيات القرن العشرين، بيد أن المفهوم تطور وتحول إلى مدن رقمية وعالمية كحال نيويورك ولندن وسنغافورة وشنغهاي ودبي، وهو أمر سيستمر بالتحول بامتداد عمر البشر الذين باتوا يخشون أن تلغي دورهم.
وظائف مهددة
لم تعد الروبوتات مجرد ماكينات عادية مبهرة الشكل فقط، بل باتت تقوم بمعظم المهمات التي يقوم بها البشر العاديون بدءا من وجودها في المصانع وفي المطاعم حتى في بعض المستشفيات، وتجري عمليات جراحية دقيقة، وما إلى ذلك من وظائف كانت بعيدة كل البعد عن متناول عالم الآلات في السابق.
السائق صقر البادي، متوجس من انتشار المدن الذكية لاعتمادها على السيارات ذاتية القيادة التي تهدد مصدر رزقه، فلا يعرف في حياته سوى قيادة السيارات بسبب مؤهله المتوسط. ولا يختلف حال صقر عن سلمان سليم – موظف في فندق- الذي يرى أن التوجه العالمي نحو المدن الذكية وما يتوافر بها من تقنيات حديثة ستقتصر فائدتها على المبتكرين الذين سيوجهون التقنيات، والمستهلكين. ويعتقد أن مستقبل المهن التقليدية مثل السائق والنادل وعامل النظافة، غير واضحة المعالم.
بالمقابل يعتقد آخرون أن المدن الذكية فرصة لتحقيق حياة تلبي كل احتياجات البشر بطريقة ميسرة وسلسة. قرار العويسي - طالبة جامعية – تتخيل أن تحيطها عديد من الأجهزة الرقمية المعتمدة على الطاقة الشمسية، إضافة إلى وجود آلات "روبوتات" تقدم الخدمات بكل يسر وسهولة، ويكون لها قدرة عالية على الإتقان.
وتعمقت العويسي في الخيال وذهبت بعيدا لدرجة الاعتقاد بوجود آلات وأجهزة في المدن الذكية تستطيع قراءة أفكار الإنسان وتلبية احتياجاته. وجاءت احتياجات العويسي من المدن الذكية وما تتأمله منها متماشيا مع الثورة الرقمية، فكان أول مطلبها ضرورة توافر أجهزة رقمية تستطيع من خلالها البحث عن الخدمات وتلبيتها بسهولة، إضافة إلى أجهزة تتابع أخبار المواطنين وتتعرف على مشاكلهم وأسبابها، إلى جانب التطور الدائم وإظهار كل ما هو جديد.
ومع تطور الاقتصاد الرقمي كونه يهتم بالفرد والدولة في الأساس، باتت مشاريع المدن الذكية التي تعتمد على التكنولوجيا فرصة مواتية لبناء مستقبل ينهي عقودا من البحث والتخطيط في عصر أصبحت التقنية مصدر كل شيء.
وترتبط فكرة المدينة الذكية بروح الإنسان المبتكر عبر مجتمع معرفي يعتمد على بنية تحتية قوية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يصبح من خلالها تأسيس مدينة ذكية، هدفها في الأساس تحسين الظروف الحياتية لكل البشر.
وتنبع فكرة المدينة الذكية من استغلال التقنيات الرقمية في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تقابل المجتمع بعد الثورة الصناعية التي تواجهها المجتمعات بعد انتهاء القرن العشرين.
في هذا التحقيق حاولنا استكشاف أهمية المدن الذكية للإنسان، ومدى استجابة البيئة التي نعيش بها لكل المتغيرات التكنولوجية، للوصول إلى حياة قابلة لكل التطور الرقمي.
اختلاف مفهوم المدينة الذكية
غرد بشار عبدالرحيم – رب أسرة - في جانب آخر، مؤكدا أن جميع نواحي الحياة في العصر الحالي أصبحت تعتمد على تناقل البيانات، التي من خلالها تعمل الحكومات على معرفة وتحليل الأنماط المعيشية والسلوك السكاني وعديد من الاتجاهات الاستهلاكية أو الإنتاجية، فيما يتمكن الأفراد من خلالها أيضا من توسيع رقعة المعرفة والتطور التقني والنمو المالي، داعيا إلى ضرورة تعزيز ومسارعة تناقل البيانات، التي تعد عنصرا رئيسا في المدن الذكية. والطموح إلى العيش في مدينة جميلة ذات ربوع أخضر هادئة مطلب للجميع، فكيف إذا تجمع ذلك كله في مدينة ذكية تعتمد كليا على التقنية في جميع خدماتها، وفي بنيتها التحتية، واستخدام أفضل وسائل النقل التي تسهم في وصول الإنسان لوجهته في أسرع وقت وبطريقة تحافظ على البيئة وتسهم في تعزيز السلامة، هذا ما تمنى أن يراه واقعا نايف بدر – موظف في القطاع الخاص - الذي أكد ضرورة الاعتماد في المدن الذكية على التكنولوجيا في تحليل البيانات لتفادي الكوارث والمشكلات المرورية وتصريف السيول والأمطار.
مبادرات المدن الذكية
هناك بعض الشركات التي باتت تعتمد اعتمادا شبه تام على الروبوتات في تشغيل وإدارة المصانع والمخازن، مثل شركة فولكسفاجن وشركة أمازون وغيرهما.
وتقليص تكاليف العمالة والموظفين، وزيادة القدرة التنافسية من خلال تعزيز الكفاية الإنتاجية وفعاليتها، تدفع الشركات والأعمال إلى التحول نحو استخدام الروبوتات في مصانعها، حيث أن الروبوت يمكنه أن ينتج أضعافا ما ينتجه الإنسان، ولا يتطلب إجازة وليس لديه حقوق على الشركات تحملها.
الباحث فيليب بوفيير يرى أن الابتكار أمر حيوي لحل كل من مشكلات قطاع الأعمال والمشكلات الاجتماعية الأخرى المعقدة، ولكن يبدأ الابتكار عندما تتوافر البنية التحتية المناسبة والموارد للشركات الناشئة ورواد الأعمال لتكون الابتكارات مدمرة، ولهذا السبب يتطلب من البيئات الحضرية أن تكون مبتكرة.
ولكن يعتقد أن التغييرات الديموغرافية والبيئية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية تتطلب أن تكون المدن أكثر كفاءة واستدامة، كما تزداد حدة المنافسة بين المدن لجذب المواهب والاستثمارات.
وفي نبذة تاريخية يؤكد بوفيير خلال مقالة نشرتها «الاقتصادية» أخيرا، أن ابتكارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضمن إدارة المدن دخلت في سبعينيات القرن الماضي، مع انتشار تقنية النطاق العريض "البرودباند"، إذ أسهم إنشاء "المدن الرقمية" في إيجاد عديد من فرص العمل في المدن الأوروبية والأمريكية، ووفرت البنية التحتية الجديدة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المناطق المتمدنة ببدايات القرن الـ20 فرصة الوصول إلى المعلومات في أي وقت ومن أي مكان وبواسطة أي جهاز؟
وتبنت المدن – بحسب بوفيير -، استراتيجيات وشعارات مثل "المدينة الذكية" في ماليزيا، "المدينة الاقتصادية" في السعودية، "المدينة الكلية" في كوريا الجنوبية، "المدينة البيئية" في الصين، "المدينة الذكية" في أوروبا فضلا عن "مدينة العالم" في مختلف أنحاء العالم مثل نيويورك أو لندن أو باريس.
وتعد مبادرات "المدينة الذكية" في أوروبا وسيلة مفيدة للمدن لتحقيق أهدافها وصولا إلى عام 2020 في مجال البيئة والعمل والابتكار والتعليم والحد من الفقر.
كفاءة وإدارة الموارد
المهندس خالد العثمان رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، قال إن مفهوم المدن الذكية أكبر بمراحل من مسألة توفير الإنترنت والتواصل عبر التطبيقات، موضحا أنه مفهوم كبير وشاسع ومتنوع، ويشمل تطبيقات وعمليات كثيرة جدا محصلتها النهائية تحقيق ما يطلق عليه "المدن الذكية".
وبحسب العثمان، فإن مفهوم المدن الذكية يعبر عن حالة من كفاءة إدارة المدينة وتمكين متخذي القرار وأجهزة إدارة المدينة ومستخدميها من تبادل المعلومات حول المدينة بعد توثيقها وتسجيلها وقياسها بمستوياتها المختلفة، ووضعها في إطار مؤسسي قابل لاتخاذ قرارات صحيحة وذات كفاءة بناءة على التحديث المستمر لهذه المعلومات، كأن تبلغ المدينة إدارتها مثلا بأن هناك أزمة مقبلة مثل زحام مروري، أو أن هناك هدرا في الطاقة بمكان معين أو مشكلة في صرف صحي في منطقة معينة وغير ذلك الكثير.
ولكنه يرى أنه كل ما زادت سرعة حجم وتبادل المعلومات وسرعة اتخاذ القرار بشأن أحداث المدينة اليومية أصبحت المدينة أكثر ذكاء وجودة لسكانها.
ويقطع العثمان الشك باليقين حينما أشار إلى أن المدن الذكية تتفاوت في ذكائها، ولا يوجد مدينة وصلت إلى مستوى خارق من الذكاء بعد، فيما بعض المدن قطعت شوطا كبيرا في هذا المضمار مثل شنغهاي ولندن.
مزايا اقتصادية
حول مزايا المدن الذكية، قال العثمان إن من أهمها رفع جودة وكفاءة الحياة في المدينة، بحيث يستطيع الإنسان الذي يعيش فيها أن يتفادى العقبات والكوارث، كما أنه يستطيع أن يقضي جميع احتياجاته بطريقة أسهل وأسلم وموفرة في الوقت والجهد، مشيرا إلى مساهمتها في رفع كفاءة الموارد وتقليل الهدر في الطاقة والمياه، ورفع كفاءة البيئة واستغلال إدارة النفايات.
ومع المزايا التي حددها المهندس خالد العثمان، بلا شك تسهم في رفع عائدات الدولة الاقتصادية بشكل مباشر من خلال رفع كفاءة استخدام موارد المدينة وتقليل الهدر في كل ما يتعلق بها مثل رحلات النقل والطاقة وتلوث الهواء وإدارة النفايات.
الإنسان مفتاح المدينة ومحركها
أما دور الإنسان في المدن الذكية، يوضح خالد العثمان، أن الإنسان هو المفتاح وهو من يدير منظومة الذكاء، ومن يتفاعل معها ويستفيد منها، لذلك هو العنصر البشري المحرك في كل منظومة الذكاء، لذلك على الإنسان أن يتعايش مع أنظمة المدينة الذكية بشكل فعال سواء كساكن في المدينة أو عامل في أحد أجهزتها أو حتى أحد متخذي القرارات فيها.
ولكن عبدالله بن ضيف الله أستاذ التخطيط العمراني في جامعة الباحة، يشير إلى أن جزءا من مفهوم المدن الذكية يتضمن استخدام الإنترنت والتكنولوجيا ولكن ليس هو المفهوم الشامل، إذ إن الخدمات الإلكترونية هي جزء من تلك المدن، بل جزء ثانوي وداعم، مؤكدا أن الجزء المهم هو تطبيقات المدن الذكية التي تحاول أن تلبي احتياجات المستخدم والساكن على سبيل المثال في المواصلات والطاقة والبنية التحتية ومواقف السيارات وغيرها.
ويؤكد عدم وجود مدينة ذكية بالكامل، حيث إن هذا المفهوم عليه كثير من النقاش وبعض المخططين العمرانيين العالميين لا يعترفون به، بل يعتبرونه فقط أسلوبا من أساليب المدن الحديثة التي يجب أن تتوافر لدى كل مدينة والبعض يسميها مدن المعلومات أو المدن الافتراضية.
وبحسب ضيف الله فإنه بطبيعة الحال وبالتسليم بهذا المصطلح فهو يطلق على المدن التي تتجه لاستخدام تقنية الإنترنت والمعلومات في إدارة المدن، كما أن هذه المعلومات عادة يتم تصديرها عن طريق (حساسات) تتفاعل مع ما حولها فتنتج معلومات لترسلها لخادم بطريقة لا سلكية فيقرأها المسؤول إما للتحليل أو للتفاعل مباشرة مع الحدث، على سبيل المثال: يتم وضع حساسات في كل موقف سيارة فإذا وقفت السيارة في هذا الموقف يقوم الحساس بإرسال إشارة إلى المستخدم أن هذا الموقف غير شاغر وهكذا.
الخدمات في المدن
المدن الذكية تعتمد على تطبيقات متعددة عبر الهاتف الجوال أو على أجهزة رقمية أو مواقع إلكترونية، هكذا يشرح عبدالله بن ضيف الله.
ويقول "تطبيقات المدن الذكية المستخدمة في بريطانيا، أشاهدها بشكل يومي كبرامج للأنهار القريبة من المدن، حيث تعطي السكان بشكل أوتوماتيكي إشارات عن طريق الهاتف حين وصول ماء النهر لمستوى خطير لأخذ الحيطة والحذر".
ويضيف "من التطبيقات التي شاهدتها (جهاز الكهرباء الذكي) وهو جهاز يعمل على حساب الكمية التي يتم صرفها من الكهرباء ومبلغ الفاتورة بشكل مباشر وهو مفيد للغاية في عملية الإدارة المالية للساكن".
ولم تكتف المدن الذكية بهذه التطبيقات فحسب – كما يؤكد ضيف الله- بل هناك أشكال تتمثل في التكامل بين إدارات المدن و(خرائط جوجل) فتجد أن المعلومات للباصات والقطارات دقيقة للغاية حتى في وقت الإصلاحات والصيانة وهو ما يسهم في تخفيف حدة الازدحام.
ويشير إلى بعض مزايا تلك المدن ومنها أن التطبيقات الذكية تصبح أكثر استدامة وتستطيع إدارة مواردها بطريقة أكثر كفاءة، فعلى سبيل المثال البنية الذكية للمياه تقوم بإعطاء المسؤول نبذة عن مدى جودة المياه للاستهلاك الآدمي وكذلك تقوم بالتبليغ بشكل مباشر عن أي تسرب أو خلل، مما يسهم في تحقيق عوائد مالية وإدارية كبيرة يتم توفيرها بلا شك.
هدف إداري بالدرجة الأولى
يرى ضيف الله أن الهدف من تطبيقات المدن الذكية هو إداري بالدرجة الأولى، إذ إنها تطبيقات تسهل للمسؤول عملية إدارة المدينة عن طريق توفير معلومات مباشرة من المنطقة المستهدفة فيسهل اتخاذ القرار بناء على قاعدة معلومات صحيحة. ويؤكد أنه في السابق كان المخططون العمرانيون يعتمدون في تخطيط الخدمات على وقت الذروة كعامل أساسي، أما اليوم فمع هذه التطبيقات يستطيع المخطط العمراني تخطيط الخدمات على الطلب الفعلي في كل ساعة وهو تقدم ناجح في الإدارة.
وحول إمكانية مساهمة المدن الذكية في تحقيق عوائد اقتصادية للدولة يوضح عبدالله بن ضيف الله، أن الهدف الأول الذي يجعل المدن تتجه إلى تطبيقات المدن الذكية هو مساهمتها في تحقيق عوائد اقتصادية، مستدلا بما حققته مدينة برشلونة في عام 2014، حيث استطاعت أن توفر أكثر من 80 مليون دولار فقط عن طريق تركيب تطبيقات ذكية لإدارة المياه وإضاءة الشوارع. ويستشهد ببعض الإحصاءات التي ذكرت أنه لو قامت المدن حول العالم بالاستفادة من تطبيقات المدن الذكية المتعلقة بالنقل العام فإنها ستوفر ما مجموعه 800 مليار دولار سنويا وهو رقم كبير جدا يبين ضخامة العائد الاقتصادي من المدن الذكية.
العالم مقبل على المدن الذكية
أطلقت كوريا الجنوبية مصطلح "المدن الكلية" على المدن التي تعتمد على الاتصالات والتكنولوجيا بشكل أساسي. كما أعلن رئيس الوزراء مودي عام 2013 أن الهند تحتاج إلى 500 مدينة جديدة في العقدين المقبلين. والإمكانات الكبيرة للإنترنت ستمهد الطريق لدولة جديدة ذات إمكانات نمو عالية.
ومن المتوقع أن تقوم الصين خلال عشر إلى 20 سنة مقبلة، بإنشاء أكثر من 1000 "مدينة بيئية" جديدة، والعمل على تطوير 170 مدينة متسارعة النمو.
بحسب الباحث فيليب بوفيير، فإنه ومع استمرار هجرة السكان إلى المناطق الحضرية، تتعرض المدن إلى تدقيق السكان على الخدمات المقدمة، حيث أصبحت جودة المعيشة المعيار الرئيس لجذبهم.
ولكنه يرى أن قطاع الطاقة والرعاية الصحية والمرافق العامة يتعرض لكثير من الضغوط أكثر من أي وقت مضى، ما يؤثر في كفاءة الخدمات العامة، فحادث طارئ في الشبكة قد يؤثر في شبكة النقل، التي قد تؤثر بدورها في البيئة، وبالتالي قد تنعكس آثارها على نظام الرعاية الصحية. ويضيف بوفيير "تعاني المدن عدم قدرتها على مواكبة التوسع العمراني بسبب سياسة الإدارة التي تعمل بمعزل عن بعضها بعضا. فالتنسيق ضئيل أو شبه معدوم بين الإدارات المختلفة للمدينة المسؤولة عن النقل والمياه والطاقة والأمن".
ويضع بوفيير بعض التحديات التي تحتاجها المدن كنوع جديد من الإدارة المتمدنة يدعم مزيدا من التعاون والتنسيق بين الإدارات، يستفيد من أحدث ابتكارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات "التكنولوجيا الذكية"، ويعمل على مواءمة الحوافز بين الإدارات لتحقيق هدفها المستقبلي المشترك للوصول إلى المدينة المستدامة.
ويتساءل، هل يوجد على الأقل مدينة واحدة مبتكرة؟، ويجيب، "تعد سنغافورة المدينة الوحيدة التي أطلقت برنامجا لإعادة بناء إدارتها وكسر عزلتها. تعمل سنغافورة على استراتيجية الأمة الذكية 2025، في سبيل التوفيق بين السياسات والشعب والتكنولوجيا، وتحسين كل جوانب الحياة لتعزيز القدرات الوطنية. حيث لاحظت الحكومة في سنغافورة القيود التي تفرضها العزلة على الأصعدة كافة، ابتداء من البنية التحتية والصناعة والمواهب، إلى الحوكمة. لذا، تطمح سنغافورة إلى تجميع المعلومات من مختلف الجهات الحكومية، وتسهيل تبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات في الوقت نفسه".
وبدأت سنغافورة في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، - بحسب بوفيير - اتباع تحليلات مبتكرة من أجل تطوير "الأمة الذكية" التي ستكون منصة موحدة بين جميع الدوائر الحكومية.
عناصر أعمق من التكنولوجيا
هاني أبو العلا الخبير في الهيئة المصرية للتخطيط العمراني وأستاذ الجغرافيا العمرانية في جامعة الفيوم، يقول "يظن الكثير أن مفهوم المدينة الذكية ينحصر في المدينة الرقمية، لكن المفهوم يختلف عن ذلك بكثير، وإن كان مسايرة التكنولوجيا هو أحد محاور المدينة الذكية فإن هناك من العناصر ما هو أعمق من ذلك بكثير".
كما يؤكد أنه لا يوجد تعريف جامع مانع للمدينة الذكية، فمع اتجاه معظم سكان العالم اليوم لسكنى المدن ومنذ أول ظهور لهذا المصطلح، فإن مفهومه يمتد ليشمل كثيرا من جوانب تطوير المدينة وتنميتها الحضرية، إذ يراها البعض أنها المدينة ذات الاستثمارات المبتكرة، ذات قواعد البيانات الإلكترونية لجميع مرافقها ويراها آخرون أنها المدينة القادرة على حل المشكلات المعهودة في المدن، مثل ازدحام المرور والانبعاث الغازية وغيرها، ويضيف فريق ثالث أنها المدينة صديقة البيئة ذات السكان الأذكياء ممن يدركون قيمة استدامة الموارد والحفاظ عليها للأجيال المقبلة. وحول أكثر المدن الذكية في العالم يوضح أبو العلا أنها توجد في دول جنوب شرق آسيا مثل الهند، تليها أوروبا وعلى رأسها هولندا والنمسا. ويرى أن الهدف الحقيقي للمدن الذكية هو إيجاد نوع جديد من الحياة الحضرية تكون قادرة على حل مشكلاتها والاستجابة لمستجدات العصر في محاولة لتحقيق مستويات متميزة من جودة الحياة لسكانها مع الحفاظ على أكبر قدر من الموارد للأجيال المقبلة.
الاستفادة المادية
لكن إلى أي مدى يمكن الاستفادة من هذه المدن، فيجيب أبو العلا، "المدن الذكية تسهم في رفع العائدات الاقتصادية للدولة التي توجد بها وذلك من خلال إيجاد استثمارات مبتكرة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني من خلال تطويع جميع أنماط التكنولوجيا لذلك". كما يشير إلى أن المدن الذكية ستنعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الدول، حيث إن لها دورا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول التي لديها مدن ذكية، فالاقتصاد والاستثمار اليوم أصبح يتسم بالانتقائية، خصوصا أن هناك أنواعا من الاستثمارات المتقدمة في المجالات السياحية والثقافية والاستشفائية والتكنولوجية، وتجد في المدن الذكية ضالتها، إضافة إلى أن الاتجاه نحو المدن الذكية من شأنه أن يوفر الوقت والتكلفة لكثير من الأنشطة، وفيما يخص النواحي الاجتماعية فكيف لا وهي شديدة الحساسية للمؤثرات الاقتصادية والصحية والثقافية والبيئية وغيرها.
في خدمة الإنسان
"المدن الذكية جعلت لخدمة الإنسان، ولا يمكن التحول نحو المدن الذكية بلا سكان قادرين على استيعاب هذا التحول عن قناعة تامة مع التشديد على إعداد برامج تدريبية وتوعوية ترمي إلى إيجاد مواطن يواكب النقلة النوعية في الحياة الحضرية"، هكذا أكد الدكتور هاني أبو العلا.
ولكن فيما يتعلق بمساهمة المدن الذكية في حلول مشكلات التلوث والطاقة وغيرها، أكد الخبير في هيئة التخطيط العمراني في مصر، أن من أهداف المدينة الذكية هي القضاء على التلوث واستخدام مصادر جديدة للطاقة تكون صديقة للبيئة وموفرة في النفقات.


