أخفقت الولايات المتحدة في إقناع منظمة التجارة العالمية بعدم الأخذ بطلب تقدمت به الصين لهيئة تسوية المنازعات بتأسيس فريق تحكيمي للحكم على التعريفات التي تفرضها واشنطن على وارداتها من سلع صينية معينة. وأقرت الهيئة تشكيل الفريق الذي سيبدأ النظر في الخلاف في الربيع المقبل.
وتبادلت الولايات المتحدة والصين عبارات حادة غير مألوفة في اجتماعات منظمة التجارة خلال جلسة لهيئة تسوية المنازعات للاستماع إلى وجهات نظر الطرفين حول التحكيم.
وقالت الصين إن منظمة التجارة هي "درع" ضد الحمائية وليست "درعا" لإخفاء الحمائية. في حين وصفت واشنطن طلب الصين للتحكيم بأنه "نفاق"، وأن المنبر الملائم لحل الخلافات هو في المناقشات الثنائية بين البلدين كتلك التي جرت في قمة العشرين أوائل الشهر الجاري.
وفي الصيف الماضي فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالية ضد الصين بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974 استنادا إلى تحقيق أجراه الممثل التجاري الأمريكي بشأن الأعمال والسياسات والممارسات التي تقوم بها الصين ما يتعلق بنقل التقنية والملكية الفكرية والابتكار.
وتخول المادة 301 من قانون التجارة الأمريكية 1974 (الطبعة الأخيرة 2018) الرئيس الأمريكي اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة، بما في ذلك إجراءات تجارية انتقامية، للحصول على إزالة أي عمل أو سياسة أو ممارسة حكومة أجنبية تنتهك اتفاقية تجارية دولية أو غير مبررة، غير معقولة، أو تمييزية، من شأنها أن تثقل كاهل أو تقيد تجارة الولايات المتحدة.
وبموجب هذه المادة، فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية بنسبة 25 في المائة على نحو 34 مليار دولار من الواردات الصينية ابتداء من 6 تموز (يوليو) 2018، و 10 في المائة من الرسوم الإضافية على نحو 200 مليار من الواردات الصينية ابتداء من 24 أيلول (سبتمبر) 2018.
كما فرضت الولايات المتحدة قيودا تجارية على وارداتها من الصلب والألمنيوم عملا بالمادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962.
في حين تخول المادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962 في ظروف معينة الرئيس الأمريكي فرض تعريفات إذا كان "مُنتج تستورده الولايات المتحدة بكميات معينة أو في ظروف معينة يفرض تهديدا أو ضعفا على الأمن القومي".
واستخدم هذا القسم مرتين في 1979 و 1982، ولم يتم اللجوء إليه منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، حتى تم الاحتجاج به من قبل الرئيس دونالد ترمب في 8 آذار (مارس) 2018، لفرض تعريفات جمركية على واردات الولايات المتحدة من الصلب وألمنيوم من الصين والاتحاد الأوروبي وكندا، وغيرها.
وأكدت الإدارة الأمريكية أن الإجراء الأول (المادة 301) له ما يبرره نتيجة لسياسات وممارسات الصين غير العادلة في مجال الملكية الفكرية، والثاني (المادة 232) ضروري لمنع تهديدات ناشئة للأمن القومي الأمريكي.
وقالت الصين في اجتماع هيئة تسوية المنازعات إنها طلبت أولا إجراء مشاورات مع الولايات المتحدة حول مسألة الرسوم في نيسان (أبريل)، وأن المحادثات عقدت في 28 آب (أغسطس) و 22 تشرين الأول (أكتوبر) دون جدوى.
وفي تقديم مبررات طلبها بتأسيس الفريق التحكيمي، ذكرت بكين أن الإجراءات الأمريكية تؤثر في المصالح التجارية المهمة للصين، وتمس آلاف الخطوط التعريفية وتتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات في التجارة، وتزيد من تردي البيئة الاقتصادية والتجارية العالمية، وتضر بسلاسل الإمدادات الصناعية العالمية في كل أنحاء العالم.
وأفاد المندوب الصيني أن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة من جانب واحد لا تنتهك حقوق الصين ومصالحها فحسب، بل تنتهك أيضا بصورة صارخة قواعد منظمة التجارة العالمية.
وأضاف أن منظمة التجارة هي "درع للأعضاء للدفاع عن أنفسهم ضد الحمائية التجارية وليست درعا لإخفاء أي إجراءات ضد قواعد المنظمة". وقال إن الاتجاهات الأحادية للولايات المتحدة تثير قلقا بالغا لدى جميع الأعضاء.
بدورها، أشارت اليابان إلى أن أي إجراءات تجارية يجب أن تكون متسقة مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وأنه لا يوجد بلد يستفيد من تبادل التدابير التقييدية التجارية والتدابير المضادة التي تتخذها الدول ضد بعضها البعض.
من جانبها، قالت الولايات المتحدة إن لديها مخاوف جدية بشأن طلب الصين الحصول على فريق تحكيمي، حيث تسعى الصين إلى استخدام نظام تسوية المنازعات "كدرعٍ" لمجموعة واسعة من السياسات والممارسات المشوِّهة للتجارة التي لا تشملها قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يهدد الصلاحية العامة لنظام المنظمة.
وأضافت واشنطن: طلب الصين هو "نفاق"، وهو في الوقت الراهن "انتقام" ضد الولايات المتحدة بفرض رسوم على أكثر من 100 مليار دولار من التجارة الأمريكية.
وأكد المندوب الأمريكي أن نتيجة أي إجراءات للتحكيم وفض النزاع لا طائل من ورائها بعد أن اتخذت الصين بالفعل قرارا من جانب واحد معتبرة الإجراءات الأمريكية لا يمكن تبريرها وهي تفرض الآن بالفعل تعريفات على السلع الأمريكية.
وأوضح المندوب الأمريكي أن الممارسات التجارية الصينية غير العادلة خاصة ما يتعلق بنقل التقنيات بالإكراه موثقة توثيقا جيدا ومبينة في تقرير شامل صدر عن الممثل التجاري الأمريكي في آذار (مارس) 2018. وأشار إلى أن تقريرا تكميليا للتقرير الشامل صدر في تشرين الثاني (نوفمبر) يوضح أن الصين لم تغير بشكل أساسي ممارساتها التي أشير إليها في التقرير السابق.
ووصف المندوب الأمريكي هذه الممارسات بأنها "تضر بكل عضو في منظمة التجارة العالمية يعتمد على التقنية للحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق الدولية".
وذكر المندوب الأمريكي أن قادة الولايات المتحدة والصين شرعوا في مناقشات حول الرسوم والخلافات التجارية الأخرى، وقد اتفقوا على الدخول في مفاوضات لمعالجتها، عبر المناقشات الثنائية، وليس إجراءات تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، التي تعد المنتدى المناسب لمعالجة قضايا نقل التقنية التي تغطيها التحقيقات الأمريكية.
وأضاف: لهذه الأسباب لا توافق الولايات المتحدة على إنشاء فريق تحكيمي للنظر في النزاع مع الصين.
لكن رغم ذلك، أقرت هيئة تسوية المنازعات تشكيل الفريق التحكيمي للبت في الشكوى الصينية ضد الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تبدأ إجراءات التحكيم في الخلاف في الربيع المقبل. أما الموعد الدقيق فسيتم تحديده عند الاجتماع المقبل لهيئة تسوية المنازعات في 28 كانون الثاني (يناير) 2019.


