أصبحت الاستدامة أهم القضايا الاقتصادية منذ نهاية القرن الـ20، وأخذت مساحة كبيرة من الحوار في القرن الـ21، والاستدامة ببساطة تعني القدرة على الاستمرار في النمو، وفي بعض معانيها تعني القدرة على الاستمرار بمستوى الرفاهية نفسه، وفي أشد معانيها القدرة على البقاء في المستقبل، وفي كل معنى من هذه المعاني تهتم الاستدامة بالموارد؛ لأنها الأصل في البقاء في كل المعاني التي ذُكرت، فلن يتحقق نمو من دون موارد، ولا يمكن البقاء أصلا من غيرها، وهكذا نفهم أن أشد أعداء الاستدامة هو الإنسان نفسه، الذي يستخدم الموارد بطريقة غير سوية، ويدمر البيئة، ويتسبب في انقراض المظاهر الحية الحديثة، ويستبدلها بالغابات الأسمنتية. ومنذ منتصف القرن الـ20 والحديث عن مثل هذه التهديدات يظهر بشكل متقطع، حتى بدأت الصور الفضائية تكشف للإنسان حجم الانتهاكات التي حصلت في الغابات، وبدأت مظاهر انحسار الموارد تتزايد معها مظاهر الفقر والمجاعات الهائلة، ولهذا كان لا بد من حراك عالمي شاركت المملكة فيه بقوة مع كتلة دول العشرين، وما فرضته هذه الكتلة من الدول الأقوى في العالم من شروط تضمن حسن استغلال الموارد والمحافظة عليها، ومكافحة الفقر والمجاعة. وهذا كان يتطلب من كل الدول المشاركة، ومن بينها المملكة، أن تقدم نماذج ابتكارية للعالم، ورؤى حقيقية لمعالجة المشكلة، وقد قدمت المملكة نموذج العمل في "رؤية 2030".
فـ"رؤية المملكة 2030" تطمح إلى إحداث نقلة موضوعية في الاقتصاد السعودي، بحيث يصبح اقتصادا مستداما، يستغل الموارد المتاحة اليوم بفعالية كبيرة، وأيضا يكتشف موارد جديدة، ويعزز استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة، وينتج الوظائف، ويحل مشاكل البطالة والفقر، وكانت المملكة قد بدأت الترجمة الفعلية لما خططت له منذ أن أعلنت عام 2017 أولى موازنات "رؤيتها الاقتصادية 2030"، التي تضمنت إجراءات جديدة لتعزيز الاستدامة المالية، من حيث تنويع مصادر الدخل، وترشيد الإنفاق الحكومي، ودعم القطاع الخاص بما يعزز مستويات نمو الاقتصاد المحلي، إضافة إلى استحداث وحدة متخصصة في البرامج العامة لمتابعة تنفيذ المشاريع؛ إذ حصلت القطاعات الحكومية الخدمية على النصيب الأكبر منها، خصوصا التعليم، والصحة، والقطاع العسكري، والشؤون البلدية والقروية.
ثم بدأت المملكة تعلن تباعا مشاريع استراتيجية، تحقق مفهوم الاستدامة، بحيث لا تعتمد على الموارد الناضبة مثل النفط، بل تعتمد على الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية. وقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة، مشروعات متنوعة في هذا الشأن، من بينها أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم، كما تم الإعلان من مشاريع كبيرة في البحر الأحمر، تعتمد على الجاذبية الجغرافية والموقع المميز والجذاب سياحيا وصحيا، كما تم إطلاق مشاريع "وعد الشمال" لاستخراج المعادن، وأيضا تبني استراتيجية طويلة في بناء المفاعلات الذرية للطاقة. وقد لاقت هذه المشاريع والإنجازات ترحيبا واسعا من المؤسسات الائتمانية الدولية عن الاقتصاد السعودي، من بينها صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي. وأكدت التقارير أن السعودية تسير في طريقها الصحيح نحو خفض اعتماد مداخيلها على النفط 50 في المائة وفق ما رسمته "رؤية المملكة 2030". ومن ظاهر الأرقام التقديرية للميزانية العامة للسعودية، نجد أن الإيرادات الحكومية المتوقعة للعامين الجاري والمقبل تكاد تلامس تريليون ريال، رغم تخفيف الاعتماد على أسعار النفط، التي بقيت هذا العام عند مستويات متدنية، وهذا جوهر الاستدامة، فنحن نستطيع اليوم تمويل المالية العامة، وبناء المشاريع بغض النظر عن مستويات إنتاج أو أسعار النفط، ورغم ذلك فإن الطريق إلى تحقيق "رؤية المملكة 2030" لم يزل في بدايته.
