تاريخ تطور البشرية حتى أصبحت لها السيادة على الكوكب هو بمنزلة صفقة مع الشيطان. (الاستعداد للتضحية بأي شيء مقابل تحقيق رغبة نهمة في المعرفة أو القوة). الثورة الزراعية أسفرت عن زيادة كبيرة في عدد السكان، لكنها تسببت في انخفاض مستويات المعيشة لكثيرين. ما هو صحيح عن الأنظمة الإنتاجية ينطبق أيضا على الأيديولوجيات. هذا ينطبق أكثر من أي شيء آخر على القومية – فهي محرك لكل من التطوير والتدمير. ونحن بحاجة إلى إدراك وإدارة كلا الوجهين في شخصيتها – المُحسن والشيطاني.
القومية، قبل كل شيء، هي قوة اجتماعية قوية للغاية. ذكرى هدنة عام 1918 تعيد إلى أذهننا ملايين الناس الذين ماتوا وهم يقاتلون ضمن جيوش وطنية، غالبا عن طيب خاطر. لقد ماتوا بشكل جماعي من أجل ما دعاه بينديكيت أندرسون "مجتمع مُتخيّل" ـ "مُتخيّل" لأن الأغلبية العظمى من أفراده غير معروفين للذين يشاركونهم هويتهم الوطنية، و"مجتمع" لأنه يعترف برابطة أساسية من الولاء والدعم. مثل هذه الروابط لا يُمكن إدراجها بسهولة في إطار عمل الاقتصاديين لتعظيم منفعة الأفراد العقلانيين. فهم يدخلون في شيء أعمق بكثير: القومية هي عقيدة علمانية تقدس فكرة الأمة.
بنو الإنسان هم اجتماعيون بشكل مكثف. من الطبيعي تماما أنهم يتماهون مع شيء أكبر من ذواتهم الفردية. لكن في البداية هذه المجتمعات كانت صغيرة وعائلية في آن معا. معظم كياناتنا السياسية اللاحقة لم تتوقع أن يشعر رعاياها بهوية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة. الدولة القومية المستنفرة والمعبآة من جهة، ومن جهة أخرى الهوية التي تروج لها هما تقريبا نتاج الأعوام الـ 200 الماضية، على الرغم من أنها في الغرب، تردد صدى قيم دول المدن القديمة. نقطة بدايتنا الحديثة قد تكون levée en masse (التجنيد الجماعي)، التي تم جلبها بعد الثورة الفرنسية.
الفيلسوف البريطاني التشيكي الراحل، إيرنست جيلنر، قدّم مساهمات مدهشة لفهمنا لفوائد القومية الاقتصادية. جادل بأن جوهرها هو فرض ثقافة معرفة عالمية بلغة مشتركة، إلى حد كبير من خلال نظام تعليم وطني. هذا بدوره تطلب إنشاء مؤسسات وطنية ودعم ظهور اقتصاد وطني. هذه الأيديولوجية الجديدة لم تصاحبها طريقة حياة أكثر مرونة فحسب، بل شجعت على ذلك، بينما الاقتصاد الزراعي القديم، بما فيه من المزارعين الخدم والعبيد والإقطاعيين، تلاشى في غياهب التاريخ. كانت القومية واحدة من قابلات الحداثة الصناعية.
الدولة القومية الحديثة لها عواقب حميدة، ليست حميدة تماما، وخبيثة. من بين العواقب الحميدة هناك ظهور جماهير لديها لغة مشتركة وقادرة جدا على التعاون بسهولة أكثر والتحرك بحرية أكبر بين الأنشطة الاقتصادية. علاوة على ذلك، التركيز الجديد على الثقافة المشتركة والهوية القومية أدى بشكل طبيعي تماما إلى مطالبات بالديمقراطية: إذا كان الجميع عضوا كاملا في المجتمع الوطني، بالتأكيد يستحق الجميع أيضا إبداء الرأي في مصيرهم. ونتيجة للجمع بين القومية والديمقراطية وصلت دولة الرعاية الاجتماعية. الأخيرة أمنت الشعب ضد المخاطر الناشئة عن اقتصاد سوق ديناميكي، حيث يمكن أن تختفي سُبل العيش من يوم إلى آخر. لكنها في الوقت نفسه عززت روابط الهوية الوطنية.
من بين العواقب غير الحميدة تماما هناك فرصة التربح. كم يبدو جذابا دائما لف العَلَم حول مصالح الفرد القطاعية. يجأر الناس بالشكوى بقولهم إن هؤلاء الأجانب الظالمين يقوّضون إخوانهم المواطنين الفاضلين. لكن هنا نرى شيئا أعمق من مجرد الجشع. جواز سفرهم هو أثمن الأصول التي يملكها معظم المواطنين في البلدان ذات الدخل المرتفع. حتما، الكثيرون يكرهون مشاركته بحرية. وكونهم يرون هذا في مصطلحات "الهوية" هو أمر طبيعي، بالتحديد لأن جواز السفر هو تعبير عن الهوية. بالتالي السيطرة على الهجرة هي نتيجة طبيعية لا يُمكن تجنبها لدولة الرعاية الاجتماعية الديمقراطية.
من بين النتائج الخبيثة الصريحة للقومية هناك استغلال كره الأجانب طريقا إلى السلطة. كلما اختلفت النتائج الاقتصادية داخل الدولة القومية أكثر، يصبح من الأسهل على السياسيين ممن يرتابون في طبيعة الدوافع البشرية أن يقنعوا المواطنين القلقين بأنه تتم التضحية بمصالحهم من أجل مصالح النخبة "المؤيدة للعولمة" – أي الخونة – وشركائهم وخدّامهم الأجانب. وجهة النظرالتي ترى أن من يفكرون بمنظور عالمي هم خونة ليست مفاجئة. إنها نتيجة طبيعية للشعور الوطني.
منذ منتصف القرن العشرين، أصبحت القومية عالمية. في الصين، مثلا، نشهد لأول مرة في تاريخها، إنشاء دولة قومية صينية. إذن، ليس من المستغرب أنها لا تستطيع التعامل بشكل جيد مع مجتمعات الأقلية في البلاد. في المجتمعات المعقدة للغاية، مثل الهند، إنشاء هوية وطنية شاملة أمر أصعب حتى من ذلك.
اليوم نحن نشهد عودة القومية الخبيثة في أنحاء الغرب كافة، وبشكل أكبر في الولايات المتحدة. وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، يوصي بالتعاون وفي الوقت نفسه تفكيك المؤسسات التي تعمل على إنجاحه.
القومية بالتأكيد هي أقوى قوة سياسية في عصرنا. في شكلها الحميد – دعونا نطلق عليه اسم "الوطنية"، إذا أردتم، كما فعل جورج أورويل ذات مرة – هي حجر الأساس للكيانات السياسية الأكثر نجاحا في العالم. لكن في شكلها الخبيث، هي عدو السلام والتعاون الذي يعتمد عليهما مستقبلنا. إذا لم نستطع احتواء جوانبها الخبيثة، فسوف تدمرنا بالتأكيد.
