تأتي الاحتجاجات العفوية التي عرفتها شوارع باريس الشهر الماضي، بعد مرور 50 عاما تقريبا على الثورة الجماعية التي حدثت في مايو 1968. لكن هذا لا يعني أن الحدثين يمكن مقارنتهما. فأحداث مايو 1968 كانت ثورة فوضوية شنها الطلبة والعمال ضد تقليدية وسلطوية الرئيس شارل دو جول الواضحة. وفي المقابل، يتحاشى "أصحاب السترات الصفراء" اليوم، النقاشات السياسية والفكرية، كما أن احتجاجاتهم تتحول بوتيرة سريعة إلى غوغاء تثير أعمال الشغب.
وما كان يبدو في البداية احتجاجات لائقة للطبقة المتوسطة ضد فرض ضرائب جديدة على الوقود، بحسب ما يرصده جاي فرهوفشتات، رئيس وزراء بلجيكي سابق، أصبح فرصة لعصابات محترفة ومتطرفين يشتكون من المهاجرين، ومن الاتحاد الأوروبي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقال ستيف بانون، المستشار الشعبوي السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في ظهور أخير له إلى جانب مارين لوبين ممثلة حزب الجبهة الوطنية اليميني، مبتهجا، "باريس تحترق". وحسب بانون، "أصحاب "السترات الصفراء"... ينتمون إلى نفس صنف الأشخاص الذين صوتوا لدونالد ترمب... والذين صوتوا لـ "البريكست".
والأسوأ من هذا، هو أن المظاهرات المتطرفة انتقلت إلى بلجيكا وهولندا المجاورتين، اللتين أطلقتا مظاهرات "السترات الصفراء" الخاصة بهما. وفي إيطاليا، استغل، ماتيو سالفيني، وزير الداخلية الكاره للأجانب، الاحتجاجات ليهاجم سياسات ماكرون، دون الاكتراث بكون إيطاليا في حاجة ماسة إلى برنامج ماكرون الإصلاحي أكثر من فرنسا.
وينبغي أن يثير استغلال دعاة اليمين البديل لاحتجاجات "السترات الصفراء" كمنصة لإفراغ الحقد والكذب، قلق كل الأوروبيين. وبطريقة أو أخرى، يتلقى عديد من الأحزاب والحركات الشعبوية، اليوم، الدعم المالي من الكرملين. وهناك أدلة كثيرة تشير إلى أن الاستفتاء بشأن "البريكست" الذي أنجزته المملكة المتحدة عام 2016 تأثر بـ "المال الأسود" القادم من روسيا.
ونجح دعاة اليمين البديل في استغلال خوف الناس لإضعاف الحلول العالمية للتصدي للتحديات العالمية مثل الهجرة وتغير المناخ. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين يسعون جاهدين إلى تحقيق أهدافهم، فقد كان لخطاب التيار اليميني بشأن اللاجئين والمهاجرين الذين يستولون على مناصب الشغل ويدمرون الثقافة الأوروبية، صد قوي. وبالنسبة إلى الأسر القروية التي تواجه ارتفاعا طفيفا في الضرائب المفروضة على الوقود، فمن الطبيعي أن تعتقد أن تغير المناخ ليس إلا خدعة رَوّجت لها النخبة السياسية "وسائل الإعلام".
إن الوقت قد تأخر على التصدي لهذه المعلومات التضليلية. وأول خطوة نحو احتواء موجة الشعبوية والشكوكية الأوروبية هي قول الحقيقة والاعتراف بالكذب. لكن لا ينبغي أن نكون سُذَّجا. فالتصدي لتهديد اليمين البديل يتطلب إصلاحا عميقا أيضا.
والانتقاد الشعبوي الشائع للاتحاد الأوروبي يكمن في كونه يعمل بغموض وفي غالب الأحيان بدون شمولية. لكن، ربما، يميل الاتحاد الأوروبي إلى الضعف في وجه التحديات العالمية. وخلافا لما يقوله الشعبويون عن كون الاتحاد الأوروبي يتعدى حدود إمكانياته، فإن المؤسسات الأوروبية غالبا ما تقوم بـ "الشيء القليل جدا، بعد فوات الأوان". وينبغي أن يتغير هذا، وبشكل جذري. علينا جعل الاتحاد الأوروبي أكثر ديمقراطية، وشفافية وفعالية - بمعنى آخر - أكثر سيادة مما هو عليه اليوم.
وهذا لا يتطلب اختراع العجلة من جديد. إننا نحتاج فقط إلى الرجوع إلى أفكار مؤسسي أوروبا: جون مونيت، وبول هينري سباك، وروبيرت شومان، وآل سيد دي جاسبيري وغيرهم. فهؤلاء القادة كانت لديهم رؤية واضحة لاتحاد أكثر بساطة لكن أكثر قوة، لا تتزعمه لجنة مكونة من 28 شخصا، بل حكومة تتألف من 12 وزيرا. وكانوا سيسمحون للأوروبيين بالتصويت مباشرة لمصلحة برلمان لديه كل الكفاءات اللازمة ويتمتع بسلطة تشريعية وبدون نظام الإجماع الذي سمح للدول الأعضاء الشريرة مثل هنجاريا بتكبيل أيادي جميع دول الاتحاد.
والأهم من كل هذا، هو أنه لا ينبغي أن نوازن بين الديمقراطية الليبرالية والوضع الراهن، الذي يضمن إلى حد ما سياسة بطيئة ومرهِقة لصنع القرارات. وإذا كان ولا بد على الاتحاد الأوروبي أن يصنع قرارات جماعية من طرف الأغلبية، فإن المشكلات التي تواجهها لن تعود صعبة أبدا. وستصبح أوروبا أخيرا قادرة على الاعتماد على نفسها ومعالجة مشكلات مواطنيها.
فعلى سبيل المثال، نظرا إلى كون الجيش الأوروبي يقوم بوظيفة ركيزة مستقلة داخل حلف الناتو، لن يكون الاتحاد الأوروبي بعد اليوم مجبرا على الإذعان للولايات المتحدة الأمريكية بشأن القرارات المتعلقة بالأمن. ومن خلال سوق أوروبية وحيدة، ستظهر أخيرا بدائل "جوجل"، و"فيسبوك"، و"أمازون"، و"سامسونج" و"هواوي". ومن خلال وضع خفر وحراس على السواحل، سيتقلص اعتماد الأوروبيين على تركيا وروسيا ودول أخرى فيما يخص السيطرة على تدفق المهاجرين. وبالطبع، مراقبة حدودنا لا تعني انغلاقنا عن العالم الخارجي. فأوروبا ستكون دائما في حاجة إلى العمل مع قوى أخرى. لكن ينبغي لها أن تفعل ذلك من مركز قوة.
وإذا تمكنت أوروبا من اكتشاف مؤهلاتها من جديد، فلن يكون لبديل اليمين أرضية يشن فيها هجوما ضد التعاون الدولي وتعدد الجوانب. وفي أوروبا الأكثر ديمقراطية، لن يتظاهر المواطنون في الشارع ليجعلوا من المهاجرين والصحافيين أكباش فداء، بل للمطالبة بحلول لمواجهة التحديات الحقيقية التي نواجهها.
وقبل أن تكون خيارا مشتركا، كانت احتجاجات "السترات الصفراء" مبنية على قلق حقيقي بشأن الأمن الاقتصادي. والدرس الذي ينبغي لأعضاء الاتحاد الأوروبي الاستفادة منه هو أنه علينا تعزيز أنظمة الأمن الاجتماعي القومي الخاصة بنا، بموازاة مع إصلاحات على مستوى الاتحاد الأوروبي. ومع وجود اتحاد مصرفي كامل، ستكون مدخرات المواطنين في أمان، ولن ينتهي المطاف بدافعي الضرائب في شباك إسراف القطاع الخاص. ومع وجود اتحاد نقدي كامل وميزانية مشتركة مستقلة بذاتها، ستصبح منطقة اليورو أكثر مرونة في حال حدوث أزمة مالية أخرى.
وحتى تصبح أوروبا جدية بشأن الإصلاحات الاقتصادية، سيواصل اقتصادنا التراجع بشكل بنيوي مقارنة بباقي دول العالم. إذ منذ عام 2010، بلغ متوسط النمو السنوي في منطقة اليورو 1.3 في المائة مقابل 2.3 في المائة في الولايات المتحدة الأمريكية. ويمثل هذا الفارق 1.2 مليار يورو "1.4 مليار دولار" في الفترة ما بين 2010 و2018، أو خسارة ما يقارب 500 مليون يورو في مداخيل الضرائب. وفي فرنسا وحدها، يصل هذا المعدل إلى عشرة ملايين يورو سنويا، التكلفة المتعلقة بميزانية اقتراحات ماكرون للاستجابة لمطالب أصحاب "السترات الصفراء".
إن الثورة التي يحتاج إليها الأوروبيون لن تحدث في شوارع باريس أو بروكسل، بل داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي المشلولة. فلفترة تزيد على خمسة عقود، قُسِّمت السلطة في أوروبا بين المحافظين والاشتراكيين، الذين فشلوا، جميعا، في معالجة تحديات العصر.
إن الوقت قد حان للتوقف عن الكلام غير المجدي. إن حاضرنا يتطلب الفعل. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي لأيار (مايو) 2019، ستتمكن "أوروبا الأجيال" من التخلص من النظام السياسي القديم ونقل الثورة من الشوارع إلى أروقة الديمقراطية الأوروبية.


