ترافقا مع سيل من الرسوم الجمركية، والرسوم الجمركية الانتقامية، والرسوم الإضافية التي تتبادلها القوى التجارية الكبرى بشكل خاص، طلبت الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية تأسيس هيئة تحكيم للنظر في فرض روسيا رسوم إضافية على بعض المنتجات الأمريكية. حرب الرسوم هذه على أشدها، ونظام تسوية المنازعات في هذا الكيان التجاري العالمي يعمل بثلاثة قضاة من أصل سبعة.
وفي تقديم مبررات طلبها أمام هيئة تسوية المنازعات، قالت الولايات المتحدة إن عديدا من أعضاء منظمة التجارة، بما في ذلك روسيا، "انتقاميون من جانب واحد" ضد الولايات المتحدة.
وقال المندوب الأمريكي لدى المنظمة، إن الرسوم التي تتعرض لها بلاده جاءت فقط "لاتخاذنا إجراءات تتعلق بأمننا الوطني تُبررها تماما المادة الحادية والعشرون من اتفاقية "جات" لعام 1994".
وأضاف: هؤلاء الأعضاء أصحاب الرسوم الإضافية والانتقامية يتظاهرون بأن الإجراءات الأمريكية هي "إجراءات حمائية"، أو "رسوم جمركية وقائية"، وأن رسومهم الانتقامية الأحادية الجانب مُبررة بموجب اتفاق الضمانات الذي أبرمته منظمة التجارة.
وقال، دون أن يُسمي دولة بعينها: مثلما يبدو أن هؤلاء الأعضاء مستعدون لتقويض نظام تسوية المنازعات بالتخلص من المعنى الواضح للمادة الحادية والعشرين من اتفاق "جات" بعد 70 سنة من الممارسة، وعليه، فإنهم أيضا مستعدون لتقويض منظمة التجارة العالمية ذاتها بالتظاهر باتباع قواعد المنظمة في حين هم يتخذون تدابير صارخة ضد تلك القواعد.
وقالت الولايات المتحدة إنها لم تستخدم قانونها الداخلي بشأن الضمانات في فرضها الرسوم الجمركية، وإن قواعد منظمة التجارة بشأن الضمانات ليست ذات صلة بالإجراءات الأمريكية.
وأضافت: أن رسوم روسيا الجمركية على بعض البضائع الأمريكية هي ليست أكثر من رسوم تتجاوز فيها روسيا التزاماتها تجاه منظمة التجارة، وهي لا تطبقها إلا على الولايات المتحدة خلافا لالتزاماتها، كما أن روسيا تطبق الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية بمعدلات أكبر من معدلات الرسوم المنصوص عليها في جدول التزاماتها عند انضمامها للمنظمة، وهذه مخالفة أخرى لأحكام المنظمة.
وقالت: في النتيجة أن الرسوم الإضافية الروسية تُبطل أو تُضعف الفوائد التي تجنيها الولايات المتحدة من صادراتها بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهذه أيضا مخالفة أخرى لاتفاق "جات".
وردَّ المندوب الروسي أنه يشعر بخيبة أمل إزاء قرار الولايات المتحدة بطلب لجنة تحكيم بشأن الإجراءات التي اتخذتها روسيا ردا على التعريفات الأمريكية للصلب والألمنيوم. وقال: إن الرسوم الأمريكية هي في جوهرها "تدابير وقائية"، بغض الاعتبار عن الطريقة التي تصفها بها الولايات المتحدة.
وقال إن روسيا تعتقد أن تدابيرها مبررة تماما وتُطبق وفقا لقانون منظمة التجارة. ولذلك، فإن روسيا ترفض إنشاء فريق تحكيمي في قضية تتوافق مع أحكام المنظمة بوضوح.
ودخل الاتحاد الأوروبي على الخط بالإشارة إلى أن الطلب الأمريكي للتحكيم مع روسيا مُشابه لذلك الذي قدمته واشنطن بخصوص أربعة أعضاء آخرين في المنظمة ووافقت عليه هيئة تسوية المنازعات.
وأيد المندوب الأوروبي موقف نظيره الروسي، قائلا: إن روسيا، مثلها مثل عدد كبير من الأعضاء الآخرين في منظمة التجارة، لجأت إلى حقها في اتخاذ إجراءات تجاه الولايات المتحدة مماثلة لإجراءات تلقتها من واشنطن. وقال إن روسيا تتطلع إلى الدفاع عن حقها، وحقوق الأعضاء الآخرين في منظمة التجارة، في اتخاذ مثل هذا الإجراء.
وتأتي هذه الشكاوى المتلاحقة، ومنذ أكثر من عام، والولايات المتحدة ترفض النظر في تعيين قضاة جُدد لهيئة تسوية المنازعات بديلا من القضاة الذين يُغادرون الهيئة عقب انتهاء مدة ولايتهم، كما ترفض تمديد ولاية قاض فترة ثانية.
وجرى آخر اعتراض للولايات المتحدة على القضاة في 30 أيلول (سبتمبر) الماضي عندما أعاقت إعادة تعيين القاضي شير بابو جيكيتان سيرفانسنك، من موريشيوس لفترة أربع سنوات أخرى في هيئة تسوية المنازعات.
وحتى الآن، أدت الإعاقة الأمريكية المتعلقة بتعيينات هيئة الاستئناف إلى تقلص عدد أعضاء الهيئة السبعة إلى ثلاثة أعضاء فقط، وهو الحد الأدنى المطلوب للفصل في النزاعات التجارية والاستئناف في منظمة التجارة. وعندما ينتهي أمد ولاية اثنين من هؤلاء الثلاثة في كانون الأول (ديسمبر) 2019، لن تكون هناك، من الناحية القانونية، هيئة قائمة تستطيع الفصل في المنازعات بين أعضاء المنظمة ولا التوقيع على أحكامها.

