تتقارب الدول الإفريقية من بعضها البعض بشكل متزايد. إذ أبرمت اتفاقية تاريخية بشأن التجارة الحرة في بداية هذا العام. وحقق شرق إفريقيا تقدما هائلا بشأن حرية تنقل الأشخاص؛ كما تمت العودة إلى الالتزام بسوق موحدة للنقل الجوي، الذي من شأنه أن يربط بين الدول أفضل من أي وقت مضى.
إن أي خطوة من أجل تعزيز التعاون والتماسك في إفريقيا مهمة في حد ذاتها. يكتب توني بلير، رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق "إنهما يبينان إلى أي مدى يدرك الجيل الجديد من القادة الأفارقة أن القوة في القرن الحادي والعشرين تعكس القوة في الأعداد".
لكن بالنسبة إلى إفريقيا، تتطلب القوة وجود الطاقة الكهربائية: فانعدام الطاقة الكهربائية ما زال يعرقل تطور القارة. كما أن الاندماج ضروري لتوسيع حجم الأسواق والربط بينها، وخفض تكلفة المستهلك، والدفع بعجلة النمو.
ورغم التطور الذي عرفته إفريقيا في السنوات الأخيرة، ما زال أكثر من 600 مليون شخص في إفريقيا يفتقرون إلى الطاقة الكهربائية. وتشهد الطاقة الشمسية تحسنا، وأصبحت خيارا ممكنا بفضل تكلفتها المنخفضة. كما أن التدفق المتزايد لرأس المال الخاص تزامن مع إصلاحات وطنية واسعة النطاق لقطاع الطاقة، التي من المفترض أن تساعد على توفير الطاقة الكهربائية. لكن خفض تكلفة الطاقة الكهربائية وتوفيرها في المدن النامية والمناطق الشاسعة يبقى مهمة مثيرة للمخاوف، لكنها مهمة رئيسة.
"أخبرني جميع القادة الأفارقة الذين تحدثت معهم أن جعل الطاقة متاحة في قمة أولوياتهم"، بحسب بلير، "وحدد معظمهم أهدافا طموحة لتوليد الطاقة وتحويلها. لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب المزج بين التكنولوجيات، وهو أمر صعب حتى في أحسن الظروف، ويزداد صعوبة عندما تحاول الدول تحقيق تلك الأهداف وحدها.
والواقع أن الموارد ليست موزعة بشكل عادل بين الدول. فالبعض لديه الغاز، والبعض الآخر لديه موارد مائية. وهناك دول لا تتوفر على أي موارد معينة وتبني محطات للطاقة الحرارية أو تستورد الوقود السائل الباهظ الثمن لتستجيب لحاجياتها، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالتنظيم الذي يكمن في أحد الأمرين، إما أن يكون المخزون مبالغا فيه، أو أن يكون قليلا جدا.
إن أكثر الطرق نجاعة للتغلب على هذه الاختلالات في التوازن المكلفة، تكمن في سوق مشتركة للطاقة. وعلى غرار سوق الاتحاد الأوروبي الداخلية للطاقة، فتجارة الطاقة الكهربائية ستمتد لتشمل قارة إفريقيا بأكملها، وستشكل جزءا من التطور المستمر للاتحاد الإفريقي، الذي يسعى الرئيس الرواندي، بول كاغام، إلى تعزيزه بشكل مبهر. لكن نقل الطاقة الكهربائية ذات الحجم العالي من إثيوبيا إلى ليسوتو مستبعدة في المستقبل، والخطوة الأكثر عقلانية ستكون على الصعيد دون الإقليمي.
ومن بين الفرص لتحقيق خطوة كهذه، هي التجارة عبر حوض الطاقة الكهربائية لغرب إفريقيا. إن أكثر من نصف سكان هذه المنطقة يستفيدون من الطاقة الكهربائية، وفقط 3 في المائة تقريبا من حجم توليد الطاقة تعبر الحدود حاليا "بناء على مستويات القدرة الحالية". ومع ذلك، إذا توحدت السوق، فسيوافق العرض الطلب على الكهرباء، بما أن دولا مثل غانا وساحل العاج تنتج فائضا، بينما تعاني دول أخرى مثل بوركينا فاسو ومالي العجز، وتعتمد على الوقود السائل الباهظ الثمن.
وستكون لهذه السوق مكاسب لن تستفيد منها العائلات فقط، بل أيضا الحكومات والمستثمرون. إذ سيتم الربط بين عدد أكثر من الأشخاص، وستحقق الدول المصدرة مزيدا من الدخل، وستصبح الواردات أقل تكلفة، وأكثر فعالية، وأنظف. وحسب تقرير لمعهد توني بلير للتغيير العالمي ومبادرة باور أفريكا التابعة للحكومة الأمريكية، يمكن لسوق طاقة موحدة أن توفر للمنطقة 32 مليار دولار من تكلفة الطاقة في السنوات العشر المقبلة. وبتحسين البنية التحتية والرفع من العرض، يمكن لهذا الرقم أن يتضاعف بكثير.
وسيشجع النهوض بسوق على الصعيد دون الإقليمي النمو الاقتصادي، وسيوفر مزيدا من فرص العمل، وسيرفع من الدخل بالنسبة إلى ملايين من الأشخاص. وسينجذب رأس المال الخاص لفرص جديدة، نظرا لكون الأسواق القومية ترحب بالنشاطات الاقتصادية التي تنتج الكهرباء وتحولها على نطاق واسع. ومن المنظور البيئي، يمكن لسوق موحدة توفير ما يقارب 23 مليون طن من زيت الوقود، وهو ما يعادل تقريبا ما تستهلكه السيارات من الديزل في المملكة المتحدة سنويا.
لكن لإدراك إمكانيات التجارة في الطاقة الكهربائية، يتعين الاستجابة لأربعة شروط. أولا، ينبغي تغيير السياسات التي تسعى إلى الموازاة بين السياسات القومية والرؤية الإقليمية. ومن قضى منا أطول فترة في الاتحاد الأوروبي يدرك صعوبات هذه السياسات أكثر من الكثير، وبالنسبة إلى بعض دول غرب إفريقيا، خفض تكلفة الدعم المكلف وغير الفعال، والجاري به العمل في نفس الوقت على المستوى السياسي سيكون أمرا صعبا. ويمكن أن تعوض الأرباح من التجارة الانعكاسات، لكن السياسيين سيجدون صعوبة في إقناع شعوبهم بهذا الأمر.
ثانيا، من الضروري تطوير البنية التحتية من أجل الربط بين الأسواق القومية. ويدعم المانحون الدوليون جزءا كبيرا من هذا المشروع الضروري لإدماج الشبكات الكهربائية المعزولة في سوق إقليمية موحدة.
ثالثا، ينبغي توفير الغاز بشكل متزايد. ومن المحتمل أن تكون نيجيريا مصدرا للغاز؛ والمصدر الآخر هو استيراد الغاز الطبيعي السائل المنخفض التكلفة. وبدون الزيادة من الاحتياط، ستضطر الدول إلى الرجوع إلى الوقود السائل، المرتفع التكلفة وذي النسبة العالية من انبعاثات ثاني أكسيد الكاربون.
وأخيرا، إن التنسيق التنظيمي ضروري لضمان البيئة المُمَكَّنة الصحيحة. لكن هذا يشكل، أيضا، دعما لتعاملات خاصة في الدرجة الأولى، مثل تلك التي تجرى على طول ساحل غرب إفريقيا من ساحل العاج إلى موريتانيا، ما قد يساعد بعض الدول على التغلب على العراقيل، وفتح المجال لتجارة كهربائية أكثر امتدادا في المستقبل.
إن تطوير السوق الموحدة هذه هو المفتاح الرئيسي لمستقبل الطاقة في غرب إفريقيا. وخلال السنوات العشر المقبلة، قد يكون لها تأثير كبير في أزيد من 300 مليون شخص، كما أنها ستكون خطوة مهمة في سعي إفريقيا نحو وحدة متماسكة، ومزيد من الاعتماد على النفس، ونحو اقتصاد يتقوى بالتجارة أكثر من الإعانات. وستعزز أيضا التقدم الذي يحققه القادة الأفارقة في جهودهم الرامية إلى إظهار قوة استراتيجية في العالم اليوم.



