الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 8 مايو 2026 | 21 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الاثنين 22 أكتوبر 2018 1:12
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب
سوار الذهب .. بطل انتفاضة أبريل المنحاز للشعب

غادرنا إلى دار البقاء في هدوء، كما أراد لحياته أن تكون بعدما ابتعد عن الأضواء، المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب (83 سنة) رئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة في السودان في أعقاب الانتفاضة الشعبية على حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في أبريل (نيسان) عام 1985.

تسلم الراحل مقاليد الحكم في جمهورية السودان كخامس رئيس للبلاد؛ بصفته أعلى قادة الجيش حين ذاك، بتنسيق مع الأحزاب والنقابات التي قادت الانتفاضة ضد نظام النميري. واعتبر أول رئيس يتولى السلطة؛ مسنودا بالمؤسسة العسكرية، يفي بوعده، ويتنازل عن الحكم لصالح سلطة مدنية بعد عام. قبل أن يُكرر الجنرال علي ولد محمد فال السيناريو نفسه، في موريتانيا عام 2005، ضد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي أمضى 20 سنة في الحكم.

تخرج ابن إقليم كردفان ضابطا من الكلية الحربية في الخرطوم عام 1955، سنة واحدة قبل أن تنال البلاد استقلالها عن الاستعمار البريطاني. وتلقى بعدها دراسات عليا في المجال العسكري في العديد من الدول، منها: المملكة المتحدة والولايات المتحدة وجمهورية مصر والمملكة الأردنية الهاشمية.

تدرج في المهام في السلك العسكري، وكان من أبرزها قيادة الحامية العسكرية لمدينة الأبيض التي رفض تسليمها إبان انقلاب الرائد هاشم العطا عام 1971، حتى استعاد الرئيس جعفر النميري مقاليد الحكم بعد أيام من الصراع مع الانقلابين. سنة بعد ذلك سيتم إبعاده تعسفيا عن الخدمة العسكرية، قبل أن يتم استدعاؤه مجددا، ليُعين رئيسا لهيئة الأركان ثم قائدا أعلى للقوات المسلحة السودانية.

اعتبر المشير القرار الذي اتخذه؛ في محيط إقليمي وقاري يعج بالانقلابات والحروب الأهلية الطاحنة، عندما كان قائدا للجيش، والقاضي بإقصاء الرئيس السوداني، وإعلانه انحياز مؤسسة الجيش للشعب قرارا سليما، رافضا اتهامات بالخصوم له بقيادة انقلاب أبيض على الرئيس النميري الذي تأكد له أنه "لم يعد يملك أية شعبية"، وأن "الأولوية تبقى لحقن دماء السودانيين قبل كل شيء".

سيبقى الراحل خالدا في ذاكرة من جايلوه من السودانيين، فهو قائد عسكري امتاز بالحكمة والتجرد ونكران الذات، ولربما كانت هذه الصفات مجتمعة سبب نجاته من داء التعلق بكرسي الحكم. بل إنه لم يبال بالمحاولات التي دُبرت من أجل إقصائه من المجال السياسي، ولم يصطنع له خصوما يفوز من خلال ادعاء تآمرهم عليه بالسلطة.

استثمر الرجل ما أوتي من تبصر وحكمة ودعابة وود من أجل وأد الصراعات بين القبائل والأحزاب والتيارات المحارب، وجمع الصف الوطني داخل البلد، فترك للسودانيين سجلا زاخرا بمساعيه المستمرة قصد إقامة المصالحات القبلية والسياسية دون كلل.

مشوار حياة حافل بالعطاء والمنجزات، التي تعدى صيتها حدود دولة السودان إلى عموم القارة الإفريقية، لخصه أحد رفاق دربه بقوله: «كان الرجل بسيطا في لغته وهندامه، تثير حركته جلبة غير معهودة، تماما منذ أن كان ترنيمة على الأفواه الشعبية ساعة الانتفاضة، وقمرا بين العساكر، ولكم أرادته الجماهير أن يعود للسُلطة، حين ركلها، لكنه لم يعد».

أشاد زعيم حزب الأمة الصادق المهدي الذي تولى رئاسة الوزراء، في الديمقراطية الثالثة (1986_1989)، بعد انتهاء مدة الفترة الانتقالية التي تولاه فيها سوار الذهب السلطة، بنزاهة فترة حكمه، بقوله: "أثناء فترة رئاسة للفترة الانتقالية لم تَحُم حوله أو حول ذويه، شبهة فساد، وعلى الصعيدين الشخصي والاجتماعي، كان آية في التعبير عن الإنسانيات السودانية، من تواضع وتسامح وتواصل اجتماعي، وفوق ذلك كله، كان تقيا نقيا يمارس الديانة بصورة مطبوعة، ليس فيها متاجرة بالتدين".

يعد الرجل الزعيم الوحيد في العالم العربي الذي تنازل عن السلطة طواعية، وابتعد عن حروب عالم السياسة الطاحنة ومعاركها المتوقدة إلى رحاب العمل الإنساني والفعل الخيري، في بلده السودان ثم في ربوع القارة السمراء، والعديد من المناطق في العالم.

ابتعد الراحل عن بطش وجبروت المؤسسة العسكرية ومكر وخداع اللعبة السياسية، ليتفرغ إلى الدعوة للسلام ونشر قيم التسامح بين الشعوب والأمم، فقدم العشرات من البحوث في مؤتمرات كثيرة عن الأديان والإسلام، مفصلا في التحديات والأخطار التي تتربص بالإنسانية، بنفس صوفي فريد ظل متوارث في صفوف عائلته.

ترأس سوار الذهب العديد من المنظمات؛ تجاوزت 10 هيئات، تنشط في مجال العمل الإنساني والخيري. كان من جملة إنجازاتها بناء المئات من المدراس في مختلف الأسلاك التعليمية في القارة السمراء، وتشييد أكثر من 2000 مسجد في عموم إفريقيا وشرق أوروبا، وحفر أكثر من 1000 بئر للمياه الصالح للشرب، وأكثر من 10 محطات للمياه في إفريقيا، وبناء 14 مستشفى عاما ومتخصصا، ونحو 800 مستوصف، و120 مركزا للطفولة والتغذية ورعاية الأمومة، وتشييد 6 ملاجئ للأيتام والإشراف عليها في إفريقيا.

تطول قائمة المجالات التي تولى الراحل العناية بها، وحرص على البدل والعطاء فيها من منطق إنساني صرف، ما أهله للفوز من بين 13 شخصية سنة 2004 بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام. وتم اختياره سنة 2009 شخصية العام الإسلامية في الدورة 14 لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

في السياق ذاته، أي الاعتراف بخدمات الراحل، منحته الجامعة الحكومية في إقليم كردفان درجة الدكتوراه الفخرية تقديرا لأدواره التي قام بها من أجل إقامتها. كما أنه واحد من الأعضاء المؤسسين لكلية شرق النيل الجامعية الخاصة.

سيبقى عبد الرحمن سوار الذهب إلى جانب الشاعر الرئيس ليوبولد يبدار سنغور لآلئ لامعة في سماء القارة السمراء، ليس فقط بسبب صنيعهما في المجال السياسي في هذه القارة، وإنما أيضا بالنضال السلمي والعمل الخيري من أجل الإنسان بـ "ال" التعريف؛ أي مطلق الإنسان بلا تمييز في اللون أو العرق أو الجنس أو المعتقد أو الانتماء.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية