ديفيد هيلجاسون، صاحب المشاريع الآيسلندي الذي يقف وراء واحدة من أكبر الشركات الناشئة الحديثة في الدنمارك، شعر أنه لم يعد يطيق صبرا. المؤسس المشارك لشركة يونيتي تكنولوجيز، وهي مجموعة مختصة بألعاب الفيديو قيل إن قيمتها تبلغ نحو 2.6 مليار دولار، قرر الأسبوع الماضي نقل حسابه المصرفي من "دانسكي بانك".
لم يكن سعيدا جدا بالخدمة المقدمة للعملاء لدى أكبر مصرف في الدنمارك، واعترف بأنه "لم يكن يتطلع قدما" إلى أشهر العمل التي يستغرقها ذلك، لكنه قرر اتخاذ موقف على أساس المبادئ، بسبب تزايد فضيحة غسل الأموال التي تحيط بـ"دانسكي بانك"، ما تسبب في تدمير صورته بشكل متزايد يوما بعد يوم.
كتب في رسالة مفتوحة نشرها عبر فيسبوك "ينبغي ألا تكفل الإدارة أن أعمالها تسير وفقا للقانون (كما تفعلون أنتم على ما يبدو) فحسب، بل يجب أيضا أن تتأكد من أن تصرفاتها يمكن أن تصمد أمام التمحيص. وفي هذا المجال كان فشلكم ذريعا لدرجة أننا نحن الزبائن بحاجة لاستخلاص النتائج والمضي قدما".
الفضيحة التي واجهها "دانسكي بانك" كانت خطيرة في الأصل بما يكفي، لكنها ازدادت حدة في الأسبوع الماضي، ما اضطر المستثمرين لملاحظة ذلك، فقاموا خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من الأسبوع بدفع أسهم المصرف إلى الأدنى بنسبة 5 في المائة.
تتركز مشاكل المصرف في فرعه في إستونيا، حيث يزعم بأنه قد تمت تعاملات مشبوهة بمليارات الدولارات بين عامي 2007 و2015، وتشتمل على أموال معظمها من دول الاتحاد السوفياتي سابقا مثل روسيا وأذربيجان ومولدوفا.
قال ياكوب ديدينروث بيرنهوفت، خبير دنماركي في قضاياغسل الأموال "إنها مشكلة خطيرة جدا. حين تنظر إلى هذه الفضيحة، يمكنك مقارنتها بأخطر فضائح غسيل الأموال في أوروبا. هذه كارثة بالنسبة للبنك".
الضغوط السياسية آخذة في التصاعد حول بنك دانسكي مع تهديد الحكومة الدنماركية بمصادرة أية أرباح يحققها، في الوقت الذي يشعر فيه المستثمرون بالقلق حول إمكانية أن تبدأ الولايات المتحدة التحقيق في الأمر جنبا إلى جنب مع الدنمارك، وإستونيا وفرنسا.
فرضت غرامة على "دويتشه بانك" تبلغ 630 مليون دولار من قبل الولايات المتحدة والجهات المنظمة في المملكة المتحدة العام الماضي، مقابل ما يسمى بالتعاملات التجارية المتماثلة التي يزعم بأنها استخدمت لغسل عشرة مليارات دولار من روسيا. دفع بنك إتش إس بي سي في عام 2012 مبلغ 1.9 مليار دولار بسبب غسل أموال لا تقل عن 880 مليون دولار من أموال المخدرات، إضافة إلى 660 مليون دولار لانتهاك العقوبات.
من المحتمل أن تكون فضيحة "دانسكي بنك" كبيرة بهذا الحجم. يدعي كل من بيل براودر، ناقد بارز للحكومة الروسية، و"بيرلينجسكي" الصحيفة الدنماركية، التي نشرت كثيرا من الادعاءات ضد المصرف، أن نحو 53 مليار كرونا دنماركية (8.3 مليار دولار) من التعاملات المشبوهة دخلت إلى فرع المصرف في إستونيا.
رفض "دانسكي بانك" التعليق على المبلغ، لكن التنفيذيين أقروا بأنه كان "مبلغا أكبر إلى حد ما" من التقديرات السابقة، عند نحو 25 مليار كرونا دنماركي (3.9 مليار دولار).
اتخذ "دانسكي بانك" خطوته نحو إستونيا في عام 2007 عندما اشترى "سامبو"، ثالث أكبر مصرف في فنلندا، والذي لديه محفظة استثمارية كبيرة في بحر البلطيق. وكانت كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا قد جعلت من نفسها بوابة محتملة لدخول الأموال بين بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا والاتحاد الأوروبي.
كانت الأعمال مربحة، مثل قسم دانسكي بانك في إستونيا 0.5 في المائة من كل أصوله في عام 2013، لكنها كانت تمثل 2 في المائة من الأرباح.
محفظته الاستثمارية لغير المقيمين– التي تتعامل مع عملاء من خارج إستونيا– حققت أرباحا وصلت إلى 325 مليون كرونا دنماركي في ذلك العام، ما يمثل 99 في المائة من الإجمالي في إستونيا.
وعائداتها على رأس المال المخصص بلغت 402 في المائة مقابل 7 في المائة للمصرف ككل. يقول دانسكي بانك إن هذا يعود في جزء كبير منه إلى أن الأعمال في إستونيا لا تتطلب كثيرا من رأس المال.
قام كل من بيرنهوفت وبيرك فايلز، خبير أمريكي في قضايا غسيل الأموال، بمراجعة كثير من الوثائق التي حصلت عليها صحيفة بيرلينجسكي. ويقولان إن هنالك نمطا محددا لكثير من التعاملات المشبوهة التي قاما بمراجعتها.
وقالا إن كثيرا من الزبائن المتورطة كانت شركات وهمية تبدو بأنه ليس لها غرض تجاري حقيقي. في كثير من الأحيان، كان لهذه التعاملات أسباب عامة ترتبط بهما مثل "قطع غيار السيارات" أو "معدات البناء".
في واحدة من الحالات، بحسب ما قال بيرنهوفت، كان لدى واحدة من الشركات المشبوهة تعاملات بلغت 2207 صفحة في عام واحد.
قال فايلز "دانسكي بانك" وإدارته، وقسم الامتثال يظهرون بمظهر الحمقى. الحسابات التي رأيتها هي غسيل أموال واضح تماما".
كما أضاف بأنه عبْر 20 شركة– بما فيها شركات وهمية مسجلة في بلدان من قبيل اسكتلندا وجزر فيرجن البريطانية– "الهيكل واللغة المستخدمة هي حقا متماثلة. بدلا من قول ملابس النساء أو السجاد يتم استخدام كلمة منسوجات".
وبدلا من الحمام أو المجلى، يستخدمون عبارة "تجهيزات صحية". هنالك توحيد لا يصدق في الهيكل واللغة ما يجعلني أقول إنها أكبر من مجرد مصادفة.
قال بيرنهوفت "لم يفعلوا أي شيء لمنع غسل الأموال هذا. يبدو الأمر وكأنهم قد فتحوا الباب، ودخلت كل الأموال إلى المصرف، لكنهم لم يفعلوا أي شيء لمعرفة من هم الزبائن".
يحافظ "دانسكي بانك" إلى حد كبير على التكتم قبيل نشر نتائج اثنين من التحقيقات التي طلبها من شركات الخدمات القانونية الخارجية في أيلول (سبتمبر) الجاري، أحدهما يركز على الحوكمة– من الذي عرف ماذا ومتى وهل قدم الأفراد ما يكفي– في الوقت الذي يركز فيه التحقيق الآخر على محفظته الاستثمارية– بتحليل آلاف التعاملات بحثا عن أنماط ودلالات محتملة، على وجود تواطؤ داخلي. تعمل التحقيقات على غربلة سبعة ملايين رسالة بريد إلكتروني وسبعة آلاف وثيقة.
قال أولي أندرسن، رئيس مجلس إدارة "دانسكي بنك" في بيان لصحيفة فاينانشال تايمز "نحن نتعامل مع هذا الأمر بكل جدية، وهذه القضية لا تعطي بأي شكل من الأشكال صورة عن المصرف الذي نريد أن نكون عليه. للأسف، تستغرق التحقيقات وقتا أطول مما كنا نتمنى، لكنها ذات أهمية كبرى ومن مصلحة الجميع أن تكون التحقيقات وافية وشاملة قدر الإمكان. خطورة القضية تتطلب ذلك".
حول النمط المزعوم للتعاملات المشبوهة، قال "دانسكي بانك" "تاريخيا، لا شك في أننا لم نكن جادين بما فيه الكفاية من حيث منع فرعنا في إستونيا من احتمالية أن يتم استخدامه لغسيل الأموال. نرى أن هذا مؤسف للغاية". لا يسمح لنا التعليق على زبائن محددين. مع ذلك، تم إغلاق المحفظة الاستثمارية بحلول نهاية عام 2015".
إطار
إدارة المصرف تحت الأضواء
تثير فضيحة غسيل الأموال تساؤلات ليس حول "دانسكي بانك" فحسب، بل حول إدارته ومجلس الإدارة والجهات المنظمة أيضا.
ثوماس بورجين، الرئيس التنفيذي لـ"دانسكي بانك" على مدى السنوات الخمس الماضية، كان مكلفا بالأعمال المصرفية الدولية– بما فيها إستونيا– من عام 2009 إلى عام 2013.
وقال إنه سيتنحى إن كان ذلك يساعد على حل القضية– وأخبر أعضاء مجلس إدارة المصرف بأنه سيستقيل إن كانوا يريدون منه ذلك– لكنه أضاف أنه يريد إظهار المساءلة من خلال قيادة المصرف، خلال هذه الأزمة.
وقال لهيئة الإذاعة المحلية دي آر أخيرا "لا شك في أنه يلزمني مراجعة ما قمت بعمله، وما لم أفعله، وما كان يجدر بي أن أفعله بشكل أفضل".
تلقت الإدارة العليا في المصرف رسالة بالبريد إلكتروني في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2013، من أحد المبلغين يشكو حول قضايا مكافحة الغسيل في إستونيا. وأجرت دائرة مراجعة الحسابات في المصرف تحقيقا وأكدت في شباط (فبراير) 2014، المشاكل التي كان قد حددها المبلغ بما فيها عدم معرفة أو تسجيل المالكين المنتفعين من الزبائن.
جاء بعد ذلك تقرير انتقادي من الجهات التنظيمية في إستونيا في أيلول (سبتمبر) 2014، لكن "دانسكي بانك" لم يبدأ في إجراء تحقيقه الأوسع نطاقا إلا بعد أيلول (سبتمبر) 2017.
وفقا للجهات التنظيمية الدنماركية، ناقش مجلس إدارة دانسكي بانك قضية البلطيق مرتين في عام 2014، لكن محاضر الاجتماعات لم تسجل أي تعليق على الاعتراضات "المهمة" على إجراءات مكافحة غسيل الأموال.
أقر المصرف الأسبوع الماضي أنه بعد وقوع الأحداث "يبدو من الواضح أنه كان ينبغي علينا التصرف بشكل أسرع وأكثر قوة".
هنالك أيضا تساؤلات حول الجهات المنظمة وسلطات إنفاذ القوانين في إستونيا والدنمارك، وحيث التحقيق الجنائي الوحيد الذي يجري الحديث عنه حاليا يتم في فرنسا.
هنريك راملاو- هانسين، رئيس سلطة الإشراف المالي في الدنمارك من 2016 حتى وقت سابق من هذا العام، هو كبير الإداريين الماليين السابق لدى "دانسكي بانك". وقد تنحى في مايو (أيار) الماضي، قائلا إنه مستعد "لتحمل نصيبي من المسؤولية" عن التقرير الانتقادي للمصرف من سلطة الإشراف المالي.
ياكوب بيرنهوفت، وهو خبير دنماركي في غسيل الأموال، انتقد التقرير واعتبر أنه "ليس جيدا بما فيه الكفاية، وجادل بأن سلطة الإشراف المالي ينبغي أن تكون قد تحدثت مع المبلغ".
يسبر بيرج، المدير العام لسلطة الإشراف، أجاب بأنه في ظل تقسم المسؤولية في أوروبا، فهو يشرف على إدارة المصرف، في حين أن المنظمين الإستونيين عليهم أن ينظروا في غسيل الأموال.
وأضاف أن سلطة الإشراف المالي لم تتصل بالمبلغ لأن "بنك دانسكي لم يعترض جوهريا على وصف المبلغ للوضع في فرع إستونيا" ولأنه لم يكن لديه "أساس قانوني واضح لمخاطبة المبلغ".

