يعجز المختصون عن ضبط الإيقاع الذي يسير عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بخصوص إعادة تموقع أمريكا في المسرح العالمي. فبعد انقضاء زهاء سنتين من حكم الرجل، لم يستطع الراسخون في الشأن الأمريكي تحديد معالم السياسة الجديدة للرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. فتارة تبدو كأنها خاضعة لمنطق الانسحاب والتقوقع حول الذات؛ لدرجة بات فيها الحديث عن موسم الانسحابات الأمريكية، وتارة أخرى، يظهر الأمر وكأن الإدارة الأمريكية تعمل على إعادة ترتيب الخريطة الدولية في ضوء تصور جديد، معلنة بذلك القطعية مع جيوسياسية القرن العشرين.
بدأ ترمب بعد تسلمه مفاتيح المكتب البيضاوي في تنفيذ قائمة الوعود التي أطلقها طيلة الحملة الانتخابية، واضعا بذلك حدا لسيل من التأويلات حيال إمكانية الوفاء بها من عدمه. فقد بدت تلك الوعود حينها لكثيرين مجرد لغو للحشد والتعبئة والاستهلاك الجماهيري؛ بغرض التغطية على فضائحه المتلاحقة، وأنجع وسيلة لحصد أصوات الناخبين الأمريكيين، حتى قيل إنها من فصيلة "كلام الليل يمحوه النهار".
فرض ترمب منطق رجال الأعمال على مجريات السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فأضحى بمعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزعماء آخرين نماذج لرؤساء دول يمارسون السياسة وفق قواعد إدارة وتسيير الشركات الاقتصادية، كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند في كتابه "دروس السلطة".
بعيدا عن البروتوكول والأعراف المعمول بها داخل البيت الأبيض، شرع الرجل في تحويل وعوده إلى قرارات نافذة وملزمة، يخرجها من حين إلى آخر في شكل تغريدات على حسابه الرسمي في موقع تويتر، غير مبال بما ستحدثه من نتائج وآثار، فهو مقتنع بأنه "ليس بعد الكفر ذنب".
كانت باكورة تلك الوعود قرار الرئيس، مطلع حزيران (يونيو) من العام الماضي، الانسحاب من اتفاقية باريس للتغير المناخي؛ المعروفة باسم "كوب 21" الموقعة في كانون الأول (ديسمبر) عام 2015 من طرف 195 دولة. معلنا بذلك التراجع عن التعهدات التي التزمت بها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، المتمثلة أساسا في العمل على خفض انبعاثات الغازات المسببة للدفيئة بنسبة تراوح بين 26 في المائة و28 في المائة بحلول عام 2025.
تلاه انسحاب جديد من مجال حيوي عرف سجالا كبيرا في الأوساط السياسية في الغرب، في السنوات الأخيرة؛ إنه قطاع المهاجرين واللاجئين. فقد طلب الرئيس من البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة إبلاغ الأمين العام للمنظمة الدولية بأن الولايات المتحدة تنهي مشاركتها في الميثاق العالمي للهجرة، الذي يهدف إلى تحقيق إجماع دولي في الأمم المتحدة بشأن الموضوع نهاية العام الجاري، معتبرا بعض مقتضيات هذا الميثاق "لا تتوافق مع السيادة الأمريكية."
قبل ذلك، قرر ترمب الانسحاب أواخر السنة الماضية من المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة "اليونيسكو"، بمبرر حاجة هذه المنظمة إلى إصلاحات جذرية لوقف مناهضتها لإسرائيل، والتصدي لمسلسل الانحياز المستمر ضدها في اليونيسكو، وفق ما جاء في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية.
بذات المبرر؛ أي الدفاع عن إسرائيل، انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من مجلس حقوق الإنسان؛ شهر حزيران (يونيو) الماضي، بعدما قاطعته لثلاث سنوات خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن، قبل أن تعود إليه في عهد باراك أوباما في عام 2009، متهمة هذه الهيئة الدولية في بلاغ الانسحاب بأنها "مستنقع للتحيزات السياسية". في المقابل، تدعو باقي الدول إلى التحلي بالشجاعة والانضمام لأمريكا في معركتها من أجل إصلاح "المجلس المنافق والأناني".
على غرار باقي الانسحابات، لم يتردد الرجل في إعلان انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، في شهر أيار (مايو) المنصرم، غير آبه بمسار طويل وشاق من المفاوضات، كلفت جولاته الأطراف المشاركة فيه 21 شهرا، تُوج بالتوقيع على الاتفاق بين الدول الكبرى مع إيران في 14 تموز (يوليو) عام 2015.
تعددت القراءات التي قُدمت في معرض تفسير انسحابات ترمب المتلاحقة هنا وهناك، لكن أكثرها قربا للواقعية هي أن العالم يعيش على وقع مرحلة انتقالية بامتياز، تسعى فيها الإدارة الأمريكية؛ من منطلق كونها إمبراطورية عالمية، إلى التأسيس لحقبة جديدة في السياسة الدولية، على حساب التخلص من تركة القرن العشرين التي تدرك جيدا أنها لم تنته بعد؛ سياسيا على الأقل.
انقلب ترمب فجأة من لغة التهديد والوعيد ضد كوريا الشمالية إلى الجلوس مع كيم جون أون؛ زعيم محور الشر على طاولة المفاوضات، في قمة اعتبرها تاريخية. وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني؛ أمام ذهول باقي الأطراف، ليعلن لاحقا استعداده للحوار مع إيران بدون شروط مسبقة.
يكشف إمعان النظر في التحولات التي شهدتها الأوضاع الدولية في السنوات الأخيرة، أن العالم يمر بمنعطف كبير بلا معالم واضحة في الأفق. فالأسئلة التي تتوارد في غمار هذه "الفوضى" أكثر مما يقدم من إجابات. فأي معنى بقي اليوم للمعسكر الغربي في ظل القيود والرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على حلفاء الأمس؟ وهل ثمة تفسير عقلاني لمبدأ ترمب في الجديد في العلاقات الدولية القائم على "تقريب البعيد وإبعاد القريب"؟ ثم أليس سلسلة الانسحابات الأمريكية من منظمات دولية سياسية واقتصادية أتت إلى الوجود بعد الحرب العالمية الثانية، محاولة من واشنطن لإعادة ترتيب المشهد على غرار ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية؟
لكن ترمب يغفل وهو يسعى إلى تنزيل سياسته الجديدة، لاستعادة المجد الأمريكي أن الأوضاع عالم ما بعد الحرب ليس ذاتها اليوم، وهامش الفرص المتاح للدول بعيدا عن وصاية واشنطن في ازدياد مستمر. ويتغافل عن أن استمرار هذه السياسة سيؤدي لا محالة إلى ظهور أزمات متعددة، سيكون حلها بالتوافق في إطار المنظمات الدولية عصيا، ما ينذر بالتوجه نحو أسلوب فرض وجهات نظر معينة عن طريق القوة.

