تمر اليوم ذكرى يوم الوطن، الذي يستحضر فيه السعوديون جهود مؤسس البلاد وباني نهضتها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - تغمده الله بواسع رحمته - ، وأبنائه الملوك من بعده، مؤكدين على الاستمرار بمسيرة المملكة المباركة، وما تشهده من نمو وازدهار مستمر تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله -، وما تعيشه من أمن واستقرار. "الاقتصادية" تتجول بين المصادر والوثائق التاريخية، لتكشف جوانب مشرقة من حياة المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، ووصاياه التي يلمس فيها كل من اطلع عليها حرصه على شؤون المسلمين وأحوالهم.
حديث ملكي
في كتابه الذي حمل عنوان "رحلة في قلب نجد والحجاز" (1926م)، يكشف الصحافي المصري محمد شفيق أفندي مصطفى جانبا من شخصية الملك عبدالعزيز.
فمحمد شفيق، بحسب كتابه الشهير الذي طبع عدة مرات واطلعت عليه "الاقتصادية"، هو دبلوماسي وصحافي مثقف، عمل في جريدة "السياسية" المصرية، وقام برحلة إلى السعودية نالت استحسان الشعب المصري، ليقوم بنشرها في كتاب لاحقا، حتى اعتبر الكتاب أحد مصادر المعلومات عن الجزيرة العربية في تلك الفترة الزمنية.
شفيق حاور الملك عبدالعزيز آل سعود في الرياض، بعد رحلة طويلة مر بها في الجوف وحائل وبريدة وعنيزة ومناطق وقرى أخرى ما بين عامي 1342 و1346هـ، أي قبل نحو 100 عام.
الحوار الصحافي النادر كان بعد وصول الملك عبدالعزيز إلى الرياض بأربعة أيام قادما من الحجاز، بعد أن غاب عن الرياض نحو ثلاث سنوات، قضاها في الحجاز بعد انتصاره في الحرب هناك، وكانت الأفراح تعم الرياض وقد غصت بالوفود من أطراف البلاد للترحيب بمقدم الملك بعد غيابه الطويل.
يوثق شفيق تلك اللحظة بأنه دعي لحفلة إعلان المناداة بجلالة الملك عبدالعزيز ملكا على نجد بعد أن كان سلطانا، وقد فاضت ألسنة الشعراء والخطباء ببيان صفات مليكهم وما أحرزه من فخر النصر في الحجاز.
تبدو عليه شدة العزم
في كتابه وصف الصحافي محمد شفيق أفندي مصطفى، الملك عبدالعزيز بأنه رجل طويل القامة، ممتلئ الجسد، نحاسي اللون، براق العين، سمح المحيا يضع على عينيه نظارة، وتبدو عليه مخايل الذكاء المفرط، وقوة الإرادة، وشدة العزم مع سماحة الخلق، وتدبر في كل ما يخرج من فمه من كلام. وكان يناهز الخمسين عاما من عمره، وأوضح أن إبهام يده اليسرى كان مصابا في إحدى المعارك برصاصة، وتركت أثرا ظاهرا فيه، مبينا أن الملك إذا سار خفض رأسه إلى الأرض، ولبس عباءة نجدية مزخرفة (البشت)، الذي لا يزال يلبس في الوقت الحالي، كما أنه يرفع طرف بشته تحت إبطه كثيرا، ولا يسرع في مشيه، إضافة إلى أنه محبوب من شعبه لا يتوجس خيفة شر من أحد، فلا يهتم كثيرا بملازمة الحرس إياه.
حياته اليومية
يصف شفيق من واقع مشاهداته أيام الملك عبدالعزيز، ففي يوم الجمعة مثلا، جرت العادة بعد صلاة الجمعة أن يجلس الملك ونائبه الأمير سعود في ردهة القصر الملكي ويستقبل المصلين، فيمر بهم الساقي بالشاهي، ثم بالقهوة النجدية، ومن ثم يطوف بالحاضرين رجلان يحملان مبخرة يتضوع منها المسك.
كما وصف حياة الملك عبدالعزيز اليومية، وقال إنه ينهض قبل انبثاق الفجر دون أن يلزم أحدا من خاصته بالنهوض في ذلك الوقت، ويتوضأ ويتلو القرآن، ويؤذن المؤذن لصلاة الفجر، حيث يتوجه الملك لمسجد القصر ويؤدي الصلاة هناك، ثم يعود الملك إلى ديوانه ويتناول الفطور مع من يكون حاضرا من أبنائه وأفراد أسرته.
يتنقل الملك عبدالعزيز صباحا مع طلوع الشمس إلى مكتبه الخاص في ديوانه فيأخذ في مطالعة الرسائل واستعراض القضايا وبحثها، ويبدي رأيه مكتوبا، ويظل كذلك بعد الشروق بساعة، لينتقل بعدها للمجلس في الديوان، ويستقبل من لهم شأن به، ويستمع لهم وقتا غير قليل. ومن يشاهد الملك عبدالعزيز مع البدو حوله يجده واحدا منهم، ويخاطبونه بقولهم: "يا عبدالعزيز دون ألقاب أو خوف ووجل".
عند الضحى، ينتقل الملك عبدالعزيز إلى قاعة تعرف باسم "المجلس الكبير"، حيث يجتمع أمراء الأسر من مختلف المناطق، وهناك يستعرض الملك الشؤون العامة ويتحدث في كل المجالات ويناقش الأوضاع. وبعد أن ينفض المجلس قبيل الغروب، يذهب الملك للقصر الخاص الذي يقيم فيه والده الشيخ، وهو رغم كونه في العقد التاسع من عمره على جانب عظيم من الذكاء وسرعة البديهة ورقة الجانب، فضلا عن كونه محبوبا من سائر أهل نجد، وبعد أن يقضي الملك عبدالعزيز جانبا في حضرة والده، ينتقل إلى زيارة شقيقته نورة التي يجلها.
وبعد صلاة العشاء، اعتاد الملك عبدالعزيز أن يطوف بموظفي ديوانه، ويستطلع ما لديهم من أعمال، ويزودهم بما يحضر لديه من أفكار وآراء.
أول حديث ملكي
يقول محمد شفيق إنه عندما مثل بين يدي الملك عبدالعزيز: "هنأني بسلامة الوصول وطفق يسألني باهتمام بالغ عما شاهدته أثناء سفري الطويل والشاق، فكان يبتسم ابتسامات الإعجاب كلما أجبته عن سؤال"، وبدأ الملك عبدالعزيز حديثه "ليس عندنا سوى دين واحد ومذهب واحد والجميع يؤدون الصلاة خلف إمام واحد، وهذا ما نشكر الله سبحانه وتعالى عليه. نعم المذاهب أربعة. ولا نجد عندنا إلا ما يقوله المسلم لأخيه المسلم السلام عليكم، وهم مرتبطون جميعا بكلمة التوحيد وعلى هذا الأساس يقوم ملكنا، والحمد لله"، واستطرد في حديثه: "نحن لا نبغي الملك لذاته، فالملك لله الواحد القهار، فوالله وبالله لو أعطينا ممالك الأرض طرا، وأحسسنا أن في بعضها شركا، لبعدنا عنها بعد السماء عن الأرض".
وأوضح شفيق: "عرج لي الملك عبدالعزيز في الحديث عن معركة الحجاز، التي أدخلت الحجاز ضمن الحكم السعودي، وما أبداه الشعب من تفان وبسالة، وتفان في رفع راية مليكه"، وتحدث الملك عبدالعزيز بإسهاب عن المعركة وأسبابها ونتائجها.
«تايم» تصفه
بـ «الدهاء»
في عددها الصادر بتاريخ 5 مارس 1945م، نشرت مجلة "تايم" الأمريكية تقريرا موسعا عن اللقاء الذي جمع الملك عبدالعزيز ورئيس الولايات المتحدة آنذاك فرانكلين روزفلت، على متن المدمرة الأمريكية الموجودة في قناة السويس.
وقالت المجلة إن الملك عبدالعزيز صعد سفينة مرابضة في ميناء جدة، لتتوجه به إلى قناة السويس مع 48 شخصا برفقته، بينهم أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، واثنان من أبنائه هما الأمير منصور والأمير محمد، واستغرقت الرحلة يومين، قطعت خلالها السفينة مسافة 800 ميل من جدة إلى قناة السويس، حيث ينتظره الرئيس الأمريكي.
وأشارت المجلة إلى أن الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت أجريا محادثات ثنائية، عبر خلالها الأخير عن الرغبة في أن يلتقي المسؤولون الحكوميون من الجانبين كلما أمكن ذلك؛ لدعم الحوار بين البلدين كأصدقاء.
وأوضحت المجلة في معرض حديثها عن المملكة قصة استعادة الملك عبدالعزيز للرياض عندما كان في العشرين من عمره، فنشرت: "بدأ الملك عبدالعزيز حملة استعادة الرياض مع نحو 40 من إخوانه وأعمامه وأخواله ورجالهم، وتسلل إلى الرياض ليلا، وتغلب على الحاكم هناك، وأعلن حينها عن عودة السعودية الجديدة".
وقالت "تايم" إن الملك عبدالعزيز وحد نجد والحجاز تحت اسم "المملكة العربية السعودية"، وأصدر مراسيم وأنظمة ساعدت الناس، في وقت كانت حياتهم تتصف بالفوضى.
وحينما صدر عدد المجلة كان الملك عبدالعزيز يبلغ من العمر 65 عاما، وقالت إنه قوي كالأسد، يتصف بالحكمة والدهاء والصرامة، وقويم كالصولجان، وله أحكام سريعة وصارمة.
وثيقة نادرة ونصيحة ثمينة
كشفت دارة الملك عبدالعزيز ضمن الوثائق المحلية في مركز الوثائق التاريخية، عن وثيقة نادرة تعود إلى شهر ربيع الثاني من عام 1340هـ، أي ترجع إلى نحو 100 عام، يوجه فيها الملك عبدالعزيز - تغمده الله بواسع رحمته - نصيحة ثمينة لشعبه.
وفي الوثيقة فإن الملك عبدالعزيز ينصح المسلمين عامة، ويذكرهم بنعمة الإسلام والأمن والصحة بعد عام مضى من الشدة والكرب، ويذكرهم بما عليهم من شكر الله، بعد ما رآه من تقصير في حق الله. وفيما يلي نص الوثيقة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات وجنبنا وإياهم طريق المنكرات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعده،
بارك الله فيكم تفهمون ما منَّ الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام التي هي رأس كل شيء، وهي الحياة في الدنيا والنجاة في الآخرة لمن وفقه الله للقيام بواجباتها وأركانها، ثم بعد ذلك انظروا إلى حالتكم العام الفائت من اللأي والشدة على البادية والحاضرة، ثم كما ترون في حالة البلاد الخارجة من الحرب والشدة التي لا تقاس، وأنتم الحمد لله قد منَّ الله عليكم بنعمة الإسلام، والحقيقة أن كلا يدعي الإسلام، لكن روح الإسلام ومعناه عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص في العمل باطنا وظاهرا، والقيام بأوامر الله من أمر ونهي، والموالاة في الله والمعاداة في الله، والنصح فيما بينكم باطنا وظاهرا، وترك القال والقيل والغيبة النميمة والحسد، وإظهار الشكر لله، والاعتراف بأن الشكر هو من فضل الله، ثم تفهمون ما منَّ الله به عليكم من الأمن والصحة، مثل ما ترون العام من الشدة التي ذكرنا أعلاه، ولكن من فضل الله ورحمته جعل الله بعد العسر يسرين، فهذا واجب علينا القيام على أنفسنا بالخضوع والتضرع والشكر لرب العزة والنصيحة لإخواننا المسلمين، وتفهمون أن الله سبحانه وتعالى يقول (لئن شكرتكم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)، وتفهمون قوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)، فمع نعمة الإسلام مكننا الله في الأرض ومنَّ علينا بعطاه الجزيل، والحقيقة أن هذا وقت الخوف والإنابة والشكر وسؤال الله سبحانه بقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويقول (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، ويقول (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ويقول (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب). ثم بعد ذلك رأيت بعض التغافل والتمادي في أمر الدنيا، وذكر لي أن الناس معهم كسل في الصلاة والمبادرة لها واللهو في مطالب الدنيا، وهذا شيء ما هو بدليل خير، فالرجاء أن تقوموا على أنفسكم وتناصحوا إخوانكم المسلمين، وترجعوا إلى ربكم وتتوبوا إليه، وتقوموا بالواجب بالاعتراف بنعمة التوحيد والاعتراف بما أعطاكم الله من الخير الجزيل من الأمن والصحة وغير ذلك، وتجتهدوا في الاستغفار والتوبة، وتنفقوا مما أعطاكم الله على ضعفاء المسلمين، وتؤدوا النصيحة للخاص والعام، كل حسبه العالم على قدر علمه وموقفه، وطالب العلم على قدر اقتداره، والباقي من كان يقدر يقوم بما أوجب الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعليه أن يقوم بذلك على قدر استطاعته على الأمر المشروع، وأما العاجز فيقوم على نفسه لأن الوقت الفائت هو وقت الدعاء والرجاء، والوقت الحاضر هو وقت الخوف والعمل، نرجو أن الله سبحانه ينصر دينه ويعلي كلمته ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصية المؤسس للسوريين
بعد عام على وفاة الملك عبد العزيز، وتحديدا في 26 ديسمبر 1954م، نشرت جريدة "أخبار الظهران" السعودية في عددها الأول، الوصية التي أوصى بها الملك المؤسس الشعب السوري خلال زيارته لمصر ولقائه وفدا من الصحافيين السوريين.
وكانت سورية آنذاك تعاني ظروف الاستعمار والتقسيم، واختلاف الأحزاب السياسية، في ظروف تبدو مشابهة للظروف التي يعيشها السوريون اليوم. تقول الجريدة، في نسخة لها تضمنها مجلد للصحف السعودية القديمة اطلعت عليه "الاقتصادية"، عن الملك عبدالعزيز:
عندما زار مصر في الحرب الأخيرة، استقبل وفدا من الصحافيين السوريين وأسداهم نصحه الكريم بالدعوة إلى التضامن، وألا يأخذوا بدسائس الغير، ثم قال لهم:
"لقد كنت أسمع في أذني هذه، أن السوريين قوم يقولون كثيرا، لكنهم لا يجمعون على رأي واحد، وكنت أتجاوز عن هذا القول، لأني مدرك أن دمشق هي مبعث الحركة العربية وصاحبة الفضل الكبير في التقريب بين البعيد والقريب، فعليكم أن تتماسكوا وتهجروا المنافع، فالوقت الآن وقت الملمّات".
وتابع: "لقد عشت خمسا وعشرين سنة في الفيافي والقفار، ولقيت من شظف العيش ومرارة الحياة شيئا كثيرا، ونالني من طعنات السيف والسنان ما جعل الحياة في نظري لا تساوي شيئا مذكورا بالنسبة إلى إعلاء كلمة الحق ورفع راية الاستقلال (ثم أشار جلالته إلى أحد أصابعه المشوهة في بعض المعارك وكشف عن ساعده الأيسر مشيرا إلى طعنة فيه، وإلى طعنات سواها في جسمه)".
وفي صراحة تامة خاطب الملك عبدالعزيز السوريين حول قضيتهم الوطنية: "أنا إن دعوتكم أيها السوريون إلى التضامن والعمل، فإنما أدعوكم من أجل بلادكم، من أجل سورية (وبدا على جلالته التأثر، فضرب الأرض بعصاه ضربا خفيفا)، وقال: ثقوا بأني لا أطمع في حكم سورية، بل أريدها دولة مستقلة استقلالا تاما. إن وصيتي لكم أن تعملوا متضامنين. إني للعرب عموما، ولسورية خاصة".





