الخميس, 10 سبتمبر 2026|27 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

مارك جريسوولد، باعتباره لاعبا متحمسا في لعبة غو"Go" اللوحية، شعر بإعجاب كبير في مسابقة عام 2016 بين أفضل لاعب في العالم وجهاز كمبيوتر– وهي علامة فارقة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

لا يزال يتذكر برهبة الحركة رقم 102 في المباراة الافتتاحية. وضع الكمبيوتر، الذي طورته شركة ديب مايند DeepMind التابعة لشركة ألفابت، كانت قطعة بيضاء في مكان فاجأ حتى الخبراء.

لقد اتضح أنها كانت ضربة عبقري كان اللاعبون من بني البشر سيجدون صعوبة في الاستعداد لها، وشكلت بالتالي لحظة رئيسة في مسابقة أدت إلى انتصار الآلة على الإنسان.

يقول الآن إن الناس محدودون في نطاق الإمكانات التي يمكنهم فهمها وتحليلها، ما يجبرهم على التفكير بشكل تقليدي غير ابتكاري.

"نحن البشر مبتكرون– فنحن نخرج بالتأكيد من أنماط تفكيرنا التقليدي، ولكننا لا نستطيع أن نقوم بذلك بالمعدل الذي يمكن لأجهزة الكمبيوتر أن تقوم به".

جريسوولد، الأستاذ في علم الأشعة في كليفلاند بولاية أوهايو، تعرض للتو لمواجهة خاصة به مع جهاز كمبيوتر يفكر بشكل ابتكاري. الجهاز المعني: آلة مبرمَجة لمحاكاة سلوك كمبيوتر كمومي، وهي تكنولوجيا يمكن أن تُحدث ثورة في الحوسبة.

ويقول إن البشر يعتمدون على مزيج من الخبرة والحدس عند معالجة مشكلة يبلغ من تعقيدها أنهم لا يقدرون على تحليلها بشكل كامل.

في حالته، يتضمن ذلك ضبط الإعدادات على جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، للحصول على أفضل مسح ممكن من أي موضع معين– وهو شيء يقارنه مع استخراج أفضل صوت من آلة موسيقية.

بعد بضعة أسابيع من تجربة تكنولوجيا الكوانتم، يقول جريسوولد إنه رأى بالفعل حاسوبًا يعطي نتائج للتصوير بالرنين المغناطيسي فاقت نتائج "إحساسه" الذي يتسم بالخبرة– تمامًا كما أتت آلة ديب مايند DeepMind بأمر غير متوقع على لوح لعبة غو.

وهو يدّعي أن هذا هو تلميح بعصر جديد، عندما تتحدى أجهزة الكمبيوتر الكمية كثيرا مما نعتقد أننا نعرفه عن العالم: يقول جريسوولد: "سنرى هذه الأشياء طوال الوقت، وهذا مخالف لحدسنا. هذا أمر لا يمكن لنا أن نفهمه، ولا نعرف مقدار القوة فيه".

آلات الكوانتم، التي تستفيد من غرابة ميكانيكا الكم– وهو فرع من فروع الفيزياء يتعامل مع سلوك الجسيمات في باطن الذرة– هي حلم قديم في عالم التكنولوجيا.

من خلال تسخير الخصائص التي تمتد خارج حدود الفيزياء الكلاسيكية النيوتونية، فإنها تحمل الوعد بالمكاسب المتسارعة في القوة الحاسوبية.

بعد مرور عقود في المختبرات، بدأت التكنولوجيا في الانتقال من كونها تجربة علمية، إلى نموذج أولي بدائي يثير الاهتمام في مجالات متنوعة مثل الكيماويات والأعمال المصرفية، ويدفع الجهود البحثية في الشركات التي تمتد من سامسونج إلى ديملر بنز وجيه بي مورجان تشيس.

يقول ملادن فوك، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة ولاية كارولينا الشمالية: "يستغرق الأمر 30 عامًا حتى تصبح هذه الأبحاث الأساسية قابلة للتطبيق– في حالة الحوسبة الكمية Quantum Computing، فإن هذا الوقت قد مر بالفعل". والنتيجة هي أن الباحثين في جامعات مثل ولاية نورث كارولاينا يحصلون الآن على فرصتهم الأولى لتجربة التكنولوجيا.

وفقا لمجموعات التكنولوجيا مثل آي بي إم ومايكروسوفت، فضلا عن الشركات الناشئة المتخصصة مثل ريجيتي للحوسبة، يمكن رؤية الفوائد الحقيقية الأولى من الحوسبة الكمية في غضون من خمس إلى عشر سنوات– وهو إطار زمني يثير احتمالات مثيرة للشركات التي تأمل أن تكون الأولى في تسخير التكنولوجيا.

بدأ بنك جيه بي مورجان تشيس القيام ببعض جهوده البحثية في مجال الحوسبة الكمية منذ عامين. وردا على سؤال في أن كونه من أوائل العاملين في هذا المجال سيجلب له منافع واضحة على المصارف المنافسة، يقول بوب ستولت، وهو عضو منتدب في قسم الشركات والاستثمار في بنك جيه بي مورجان: "أعتقد أن الأمر ينطوي على فائدة"، على الرغم من أنه يحذر: "من المبكر جدا قول ذلك".

النتائج يمكن أن تتجاوز حتى معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية الطاقة الموجودة اليوم. وفي إشارة إلى الرقاقات المتخصصة، المعروفة باسم وحدات معالجة الرسومات، المستخدمة في كثير من أنظمة التعلم الآلي الأكثر تقدمًا في الوقت الحاضر، يقول ستولت: "إذا لم تكن مقيدا بعدد وحدات معالجة الرسومات (GPUs) التي يمكنك الحصول عليها في مركز البيانات، فما المشاكل التي سوف تكون قادرا على حلها؟ وما المنتجات التي سوف تكون قادرا على تقديم للعملاء؟"

الباحثون الذين يحاولون تسخير قوة الأجهزة الجديدة يوجهون اهتمامهم إلى ثلاثة أنواع رئيسة من المشاكل التي يتوقع أن تكون آلات الكم مناسبة كثيرا للتعامل معها بشكل خاص:

النوع الأول ينطوي على تحليل العالم الطبيعي، باستخدام أجهزة الكمبيوتر من أجل وضع نماذج لسلوك الجزيئات بمستوى دقة، من النوع الذي لا يمكن أن تصل إليه أبدا أجهزة الكمبيوتر اليوم.

يقول بوب ساتور، باحث في شركة آي بي إم: "الطبيعة تعمل بحسب قوانين ميكانيك الكم، لذلك إذا كان لديك جهاز كمبيوتر يعمل على مبادئ كمومية، فسيكون ذلك بمنزلة رسم لأشياء مشابهة".

ومقارنة بأجهزة الكمبيوتر الحالية، التي يتعين عليها عمل تقديرات عند محاولة تصميم سلوك الجسيمات في باطن الذرة، يمكن لآلات الكم أن تقوم بذلك بدقة.

إلياس خان، الرئيس التنفيذي لشركة كامبردج كوانتم للحوسبة، وهي شركة ناشئة تقوم بتصميم تطبيقات للتكنولوجيا، يشير إلى أن أحد القطاعات الأولى التي ستستفيد من ذلك، ستكون صناعة الكيماويات. ويضيف أن الزيادة الهائلة في قوة الحوسبة ستسمح باكتشاف مواد جديدة.

ويضيف: "الكيمياء الحاسوبية هي أكبر مجال في الوقت الحالي. على مدى العامين الماضيين، أصبحت الحواسيب الكمية ذات قيمة متزايدة لتحل محل التخمين مع مزيد من الأدلة التجريبية".

أجهزة الكمبيوتر التقليدية لا يمكن أبدا أن تتعامل مع هذا النوع من المهمات. نمذجة جزيء أساسي نسبيا مثل الكافيين سيتطلب حاسوبا تقليديا طاقة من البت تبلغ 10 مرفوعة إلى القوة 48 (أي الرقم 1 وأمامه 48 صفرا)، كما يقول ساتور–أو نحو 10 في المائة من عدد الذرات في كوكب الأرض.

في غضون ذلك، يحتاج البنسلين إلى الرقم 10 مرفوعة إلى القوة 86 (1 وأمامه 86 صفرا) بت–أي أكثر من جميع الذرات الموجودة في الكون المعروف.

في عالم الكم، تصبح مثل هذه الحسابات فجأة ممكنة. من الناحية النظرية، يمكن للحاسوب الكمي الذي يحتوي على 160 بت كميّ (أو كيوبت) أن يضع نموذجا لمادة الكافيين، وذلك وفقا لما قاله ساتور، في حين أنه سيحتاج إلى 286 كيوبت لمعالجة البنسلين.

ذلك يمكن أن يجعل من السهل تصميم مواد جديدة، أو إيجاد طرق أفضل للتعامل مع العمليات الحالية. تتنبأ شركة مايكروسوفت، على سبيل المثال، بأنها قد تؤدي إلى طريقة أكثر كفاءة لاقتناص النيتروجين من الغلاف الجوي لاستخدامه في الأسمدة، وهي عملية تعرف باسم تثبيت النيتروجين، التي تستهلك حاليا كميات هائلة من الطاقة.

للوهلة الأولى، قد يبدو أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة نحو هذه المستويات. بعد توحيد النظم الأساسية الأولى من عدد صغير من الكيوبت قبل عامين، تتحول شركات مثل آي بي إم وريجيتي وجوجل بسرعة إلى أجهزة الكمبيوتر التي تتألف من عشرات الكيوبت.

الأرقام لا تروي القصة الكاملة

الكيوبت اليوم غير مستقرة؛ فهي لا تحتفظ إلا بحالتها الكمية لجزء ضئيل للغاية من الثانية، وحيث إن الأرقام المتزايدة مرتبطة ببعضها بعضا، فإن التفاعلات غير المتوقعة بينها تؤدي إلى معدلات أخطاء عالية.

إن تعلُّم كيفية استخلاص النتائج من هذه الأنظمة "المزعجة" يشكل تحديًا ضخما منذ الآن، كما أن توسيع نطاقها لتصل إلى أجهزة الكمبيوتر التي تبلغ 100 كيوبت هو أبعد كثيرا من قدراتنا في الوقت الحاضر.

الوعد بالقدرة على التعامل مع الجزيئات البسيطة قريب بما فيه الكفاية، إلى درجة أن شركات المواد الكيميائية كانت من بين أوائل الشركات التي بدأت بتجربة هذه التكنولوجيا.

وتشمل هذه الشركات شركة جيه إس آر JSR، وهي شركة يابانية متعددة الجنسيات للمواد، حصلت على حصة 5.5 في المائة من شركة كامبردج كوانتم للحوسبة، وهي أيضا واحدة من أوائل الشركات التي عملت مع شركة آي بي إم منذ أن بدأت شركة الكمبيوتر الأمريكية تجربتها لإنتاج نسخة صغيرة من هذه التكنولوجيا، مع عدد صغير من الشركات في أواخر العام الماضي.

المجموعات الصيدلانية، التي قد ترى فوائد مماثلة من التكنولوجيا الكمية على المدى الطويل، لا تزال على الهامش. يقول ساتور: "إنهم يحاولون فهم متى سيكون لدينا كيوبت كافية للتعامل مع الجزيئات التي يتعاملون معها"، لأن هذه هي أكبر حجما وأكثر تعقيدًا بكثير. ويعطي تقديرا "واسعا للغاية" للإطار الزمني، في غضون من خمس إلى عشر سنوات.

كما يتوقع أن تحقق الحوسبة الكمية فوائد مبكرة للتعلم الآلي. بدلا من مجرد إضافة مزيد من قوة الحوسبة الخام لتسريع تدريب أنظمة التعلم الآلي اليوم، فإن هذه التكنولوجيا مناسبة تمامًا لمعالجة مشكلات معينة تمثل تحديًا لأجهزة الكمبيوتر التقليدية، وذلك بحسب ما يقوله بيتر ويتيك، الأستاذ المساعد بجامعة تورنتو.

ويقول: "السؤال الحقيقي لا يتعلق كثيرا بالسرعة، ولكن ما إذا كان من الممكن أن تعطيك ميزة نوعية مع نماذج معينة".

الآلات الكمية مناسبة بشكل خاص لأنواع معينة من الخوارزميات الاحتمالية، كما يقول هو وخبراء آخرون؛ الحسابات التي لا تسير من خلال التسلسل المنطقي للخطوات، مثل تلك التي تنفذها اليوم ما تسمى بأجهزة الكمبيوتر "الكلاسيكية"، ولكن بدلا من ذلك تعتمد على عنصر معين من الصدفة للحصول على أفضل نتيجة.

يتضمن مجال التركيز الثالث مشكلات تحسين أداء معقدة تتضمن عددا كبيرا فوق الحد من المتغيرات بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر الحالية. هذه هي الحال مع أجهزة جريسوولد للتصوير بالرنين المغناطيسي.

باستخدام تقنية تعرف باسم التليين الكمي، يتم تحويل مشكلات تحسين الأداء إلى ما يعادل مشهدا ثلاثي الأبعاد، يضم الجبال والوديان: يتمثل التحدي في العثور على أي النقاط هي الأدنى.

على الرغم من أن كل واحدة من هذه الفئات من الحساب الكمي تبدو ضيقة، إلا أنها معا يمكن أن تغطي مجموعة من مشكلات العالم الحقيقي، ما يجعل التكنولوجيا قابلة للتطبيق على نطاق أوسع في سنواتها الأولى عما قد يبدو عليه الأمر في البداية.

وكما يقول ساتور، يجب أن تكون الأنظمة الجديدة قادرة على معالجة أي مشاكل رياضية صعبة يمكن ترجمتها إلى شكل تستطيع خوارزميات الكم المتخصصة أن تتعامل معه.

ويقول إن "كيوبتات المستقبل" في وول ستريت على سبيل المثال سترسم خطة لـ "المشكلات المالية لمعالجة مشكلات مماثلة في الفيزياء، ثم تعيد تطبيقها مرة أخرى".

ويساعد ذلك في تفسير سبب كون حفنة من المصارف، من بين أول من يحاول تجربة هذه التكنولوجيا الجديدة.

يقول لي براين، من مكتب سي تي أو CTO التابع لبنك باركليز، إن المصرف يقوم منذ فترة بالتحقيق النشط بشأن الاستخدامات المحتملة للحوسبة الكمية. ويقترح أن التكنولوجيا هي الآن في المكان الذي كانت فيه سلسلة التكتل، التي تتطلع كثير من المصارف إلى استغلالها، قبل عشر سنوات.

ويتوقع أن تكون أول استخداماته بالنسبة للبنك هو بناء نماذج أفضل للأسواق المالية، وتقوية التشفير عن طريق اختراع أرقام جديدة، وتحسين الكفاءة التشغيلية في المناطق الفوضوية والمعقدة، مثل فسح التداولات والتوفيق بينها. وكما يقول: "في الوقت الراهن نحن نلعب على مستوى ألعاب الأطفال".

ويضيف ستولت أن مشتقات التسعير، وتحسين المحافظ الاستثمارية، وإدارة المخاطر في حالات شديدة التعقيد ومتغيرة بشكل مستمر، هي أمور يمكن أن تعالجها أنظمة الكم.

ويقول: "عندما تنظر إلى وضع الخدمات المالية الآن، فإن وعود الحوسبة الكمية، وهي في الأساس زيادة لا يستهان بها في توافر طاقة المعالجة للخوارزميات الاحتمالية، التي تتطابق معها بشكل جيد".

مع ذلك لا تزال التكنولوجيا في مهدها، والتخصص الجديد تماما في علوم الحاسوب اللازم لاستغلال قوة الآلات لم يتم تطويره حتى الآن. دان ماكاسكي، وهو باحث في مختبر أوك ريدج القومي، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، يقارن الحالة المتطورة الراهنة بالجهود الأولى لبرمجة الحواسيب الكلاسيكية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي – على الرغم من أنه يضيف أن "التخصص يتحرك بسرعة كبيرة". ويضيف، على نحو يردد صدى نظرة حذرة لدى الآخرين في هذا الحقل: "هي ليست عامة مثل الحوسبة الكلاسيكية. شخصيا أعتقد أن هذه ستكون تكنولوجيا سوف تتوافر لأغراض محددة للغاية".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية