في الوقت الذي وضعت فيه بعض دول منظمة التجارة العالمية الأساس لإطلاق مفاوضات حول إبرام صفقة تتعلق بالتجارة الإلكترونية أو أسواق الإنترنت، تتباين وجهات نظر دول أخرى بشأن النطاق المرتقب لهذه المبادرة، وما هو درجة غوصها في البيانات الشخصية، وإمكانية نقلها إلى الخارج، ومضامين المنتجات الرقمية.
وجود مثل هذه الخلافات حول مبادرة إبرام اتفاقية عالمية للتجارة الإلكترونية، التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان، يعد أمرا يهدد حاليا مساعي إدراجها في إطار اتفاقية عالمية متعددة الأطراف.
ووقعت 71 دولة من أعضاء منظمة التجارة بيانا خلال المؤتمر الوزاري للمنظمة الذي عقد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي في بوينس آيرس، التزموا فيه "البدء بعمل استكشافي نحو مستقبل مفاوضات منظمة التجارة حول الأوجه التجارية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية".
واختتمت الدول الأعضاء الجولة الرابعة من المناقشات في جنيف في الأسبوع الماضي، بعد أن تم فتح المفاوضات للدول الأعضاء في المنظمة كافة، فيما شاركت وفود من بلدان لم توقع على البيان، مثل الصين.
وتعد هذه المناقشات "مباحثات استكشافية"، حسب تعبير منظمة التجارة، ولم تحدد الدول الأعضاء حتى الآن النطاق المحتمل للاتفاقية، لكن في المجمل، فإن كل جولة من المفاوضات تستمر أكثر من أربعة أشهر تقريبا.
وتشمل المفاوضات موضوعا محددا، وهو تيسير التجارة الرقمية، وثقة المستهلك وقطاع الأعمال، وفتح الأسواق، وفتح المعلومات وتدفقها في الأسواق، والتعاون الدولي في التجارة الإلكترونية.
وخلال هذه الاجتماعات، حدد الأعضاء قضايا محتملة يمكن أن تتم تغطيتها في المفاوضات بعد أن شاركوا في جلسات أسئلة وأجوبة.
ولم يحاول الأعضاء حتى الآن خفض أهمية بعض القضايا، ولا اتخاذ قرارات حول ما ينبغي أن يدخل ضمن الصفقة وما لا يدخل.
لكن بعض مصادر المنظمة قالت إن "انقساما فلسفيا" ظهر بوضوح في المحادثات، فبعض الأعضاء مثل الولايات المتحدة، تسعى إلى الحصول على أحكام بشأن عدد كبير من الموضوعات، بينها تدفق البيانات عبر الحدود، والحفاظ على محلية البيانات والإرسال الإلكتروني.
فيما تعتقد دول أخرى، بينها الاتحاد الأوروبي، أن الصفقة يجب أن تركز على قطف "الفاكهة المتدلية في أسفل الشجرة بمتناول اليد"، كالأحكام التي تتعلق بالتوقيع الإلكتروني، والتشفير، والشفافية، والثقة، وبعدها يمكن البناء على هذه الأحكام في تاريخ لاحق.
ويتطلب مفهوم "محلية البيانات" أو "إقامة البيانات في موطنها" أن يتم تخزين البيانات المتعلقة بمواطني الدول أو المقيمين فيها كافة، أو تجهيزها، أو التصرف بها، داخل البلد قبل أن يتم نقلها دوليا، وألا يتم نقلها إلا بعد الوفاء بالخصوصية المحلية أو قوانين حماية البيانات، مثل إعطاء إشعار للمستخدم بكيفية استخدام المعلومات الخاصة به والحصول على موافقته مسبقا.
وتقول مصادر المنظمة إن مثل هذا الانقسام يمكن أن يهدد مشاركة الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة في إبرام الاتفاقية.
وعلمت "الاقتصادية" من مصادرها في منظمة التجارة أن الصين ما زالت غير مستعدة لدعم صفقة "لا تحترم مبدأ محلية البيانات"، وأن الاتحاد الأوروبي ما زال مترددا أيضا في الالتزام بالأحكام المتعلقة بالتدفق الحر للبيانات عبر الحدود دون ضوابط، في حين أن الولايات المتحدة غير مهتمة كثيرا بصفقة تتضمن "الفاكهة في متناول اليد فقط"، وتقول المصادر إن واشنطن ترى أن صفقة بمستوى متدن لا تستحق كل هذا الجهد.
والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي أصلا على خلاف حول الصياغة المتعلقة بعبارة "تدفق البيانات عبر الحدود" في مباحثاتهما حول اتفاقية تجارة الخدمات، وهو خلاف لم يتم حله أبدا حتى انهارت المفاوضات بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016.
ويرفض الاتحاد الأوروبي أن يبدي لينا بشأن تدفق البيانات بسبب معركة داخلية في وسط الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كانت الاتفاقات التجارية تتضمن هذه اللغة أم لا.
وسبق أن حاول الاتحاد الأوروبي إبداء مرونة حول مبدأ التدفق الحر للبيانات في "ورقة تفاهم" قدمها خلال مفاوضاته مع اليابان، غير أن عديدا من الدول الأوروبية رفضت هذا الموقف.
وتضيف المصادر أن الدول الأعضاء وضعت عينها الآن على اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2019 كنقطة انطلاق محتملة للمفاوضات متعددة الأطراف على أمل اختتام المفاوضات في وقت انعقاد المؤتمر الوزاري الـ12 لمنظمة التجارة نهاية ذلك العام.
وبعد انتهاء عطلة منظمة التجارة وعودتها إلى نشاطها في الأول من أيلول (سبتمبر)، بدأت الدول المعنية بمباحثات التجارة الإلكترونية ما تسميه المنظمة "إجراءات تعميق المناقشات" للوصول إلى نقطة يمكن من خلالها للدول الأعضاء أن تقرر ما الذي ستتضمنه الاتفاقية التجارية متعددة الأطراف حول التجارة الإلكترونية.
ويتوقع أن تجرى المباحثات على أساس شهري بدلا من كل أربعة أشهر حتى انعقاد المؤتمر الوزاري في كانون الأول (ديسمبر) 2019.
وتقر مصادر منظمة التجارة أنه كان ينبغي التعامل مع موضوع التجارة الإلكترونية منذ فترة طويلة، لكن الدول الأعضاء تأخرت في طرق هذا الموضوع، مشيرة إلى أنه من المهم أن تنجح المنظمة في إبرام هذه الاتفاقية لتعزيز مصداقية النظام التجاري العالمي.
إلى ذلك، يبدو أنه لا تزال هناك بعض الموضوعات الشائكة التي لم تتصد لها الدول الأعضاء بعد وهي تؤسس للتجارة الإلكترونية متعددة الأطراف، وتتضمن تساؤلات حول مدى شمولية الاتفاقية لالتزامات جديدة للدول الأعضاء، إضافة إلى جداول التزاماتها في إطار الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات، وهل سيتم تبني التزامات إضافية في اتفاقية تيسير التجارة، وهل ستكون الالتزمات خاضعة قانونا لآلية تسوية المنازعات التجارية، وهل سيتم توصيف "المنتجات الرقمية".

