الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تشير الشواهد العملية - على عكس المخاوف من الأسوأ - إلى أن الأتمتة والاستخدام المتزايد للروبوتات كان لهما تأثير إيجابي شامل على التوظيف المحلي ونمو الدخل. وتوصلت حسابات خبراء صندوق النقد الدولي - بناء على منهجAcemoglu and Restrepo 2017 باستخدام بيانات على مستوى المناطق من اليابان - إلى أن زيادة كثافة الروبوتات في التصنيع لا ترتبط بإنتاجية أكبر فحسب، إنما ترتبط أيضا بالمكاسب المحلية في التوظيف والأجور. ومن اللافت أن هذه النتائج - التي تستثني فترات الأزمات - مناقضة لنتائج تطبيق مماثل قائم على بيانات أمريكية. ويبدو أن تجربة اليابان ربما تحمل اختلافا كبيرا عن تجارب أي من الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

من المرجح أن يمضي تقدم اليابان في الأتمتة، واستخدام الروبوتات، وإدماج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية بوتيرة أسرع من كثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى لعديد من الأسباب:

- انكماش السكان، وانكماش قوة العمل الأكثر سرعة:

مثلما لوحظ أعلاه، فالقيود على الإنتاجية التي تنطوي على تراجع عام في قوة العمل ستدفع كثيرا من الصناعات بفعالية للاستثمار في التكنولوجيا الجديدة - كما يبدو واضحا في اليابان الآن، بما في ذلك بين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه أوقاتا عصيبة لجذب العمالة والحفاظ عليها. واليابان ليست الوحيدة في هذا الاتجاه الديموغرافي، لكنها تحتل بجدارة الصدارة من الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

- الشيخوخة السكانية: إن شيخوخة سكان اليابان - سيصل ما يطلق عليه جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى سن 75 في غضون بضع سنوات - تجد احتياجات كبيرة للعمالة في مجال الصحة ورعاية المسنين لا يمكن الوفاء بها من خلال الداخلين "الطبيعيين" إلى قوة العمل "وهم السكان الأصليون". ونتيجة لذلك، سيمتد انتشار الروبوتات بقوة إلى ما يتجاوز المصانع اليابانية ليشمل المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين والمطارات ومحطات القطارات حتى المعابد.

- تراجع جودة الخدمات: تدعم الإحصائيات وجهة النظر القائلة، إن حجم الخدمات وجودتها في اليابان كليهما في حالة تراجع. ويبين عمل حديث أجراه قسم البحوث في المعهد الياباني لبحوث الاقتصاد والتجارة والصناعة "دراسة Morikawa 2018" أن جودة الخدمات تتدهور نتيجة نقص العمالة. وأكثر المجالات المتضررة بقوة هي خدمات توصيل الطرود، والمستشفيات، والمطاعم، والمدارس الابتدائية والإعدادية، والمتاجر الصغيرة، والخدمات الحكومية.

وهذه العوامل نفسها قد تفسر - في أشكال المحاكاة القائمة على النماذج - السبب في أن اليابان ستجني في الاقتصاد مكاسب أعلى وأسرع من وراء التقدم المستمر في صناعة الروبوتات والذكاء الاصطناعي. وبالنظر في البيانات عبر مجموعة البلدان الصناعية الـ20، تشير محاكاة أعدها خبراء صندوق النقد الدولي إلى مخاطر تراجع نسب العمالة، واستقطاب الدخل، وزيادة عدم الإنصاف. وهذا يفترض تكاليف تحول كبيرة "بطالة، وأجور أقل"، حيث تعمل الأتمتة المتزايدة بديلا للعمالة البشرية القائمة وتحل محلها.

ومع ذلك، يؤدي تطبيق هذا النهج نفسه على اليابان وحدها إلى بعض النتائج المختلفة للغاية. فعلى وجه الخصوص، وفي ظل قوة العمل الآخذة في الانكماش، فإنه حتى الإحلال الكامل للأتمتة بإمكانه النهوض بالأجور والنمو الاقتصادي. وبعبارة أخرى، مع عمالة آخذة في الاختفاء حرفيا وتوقعات ضبابية بالانتعاش من خلال نسب أعلى للهجرة، فإن الأتمتة والروبوتات بإمكانهما ملء فجوة العمالة والوصول إلى معدلات نواتج أعلى ودخل أكبر وليس مجرد العمل بديلا لقوة العمل البشرية.

وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، فإن اليابان ليست محصنة من المخاطر الخاصة بالمجتمع والرفاهية ذات الصلة بزيادة الأتمتة. فاستقطاب قوة العمل، الذي تحصل فيه نسبة قليلة نسبيا من العمال على التدريب والتعليم اللازمين للارتفاع إلى مستوى إنتاجية الروبوتات، يبقى دائما من المخاطر الاجتماعية.

لا يمكن لأي كرة بلورية أن تتنبأ بدقة عن السرعة أو المدى اللذين ستتقدم بهما الروبوتات والذكاء الاصطناعي في العقود القليلة المقبلة. وليس هناك كذلك رؤية مستقبلية متقنة تخص الطريقة التي ستتكيف بها هذه التكنولوجيات لتحل محل العمالة البشرية - خصوصا في القطاعات خارج قطاع الصناعات التحويلية. وبعيدا عن التحديات التكنولوجية التي لا يستهان بها، هناك مجموعة من العقبات التي تتعلق بالبنية التحتية الداعمة - بما في ذلك الإطار القانوني لاستخدام هذه التكنولوجيات إلى جانب عموم السكان - التي ستحتاج إلى حلول بشأنها. ويمكن أن تتضمن القضايا الرئيسة حماية المستهلك، وحماية البيانات، والملكية الفكرية، والتعاقدات التجارية.

غير أن موجة التغيير قادمة بوضوح وستؤثر في كل المهن تقريبا بطريقة أو بأخرى.

وبالنسبة لصناع السياسات، فإن العقبة الأولى هي قبول أن التغيير قادم. فالمحرك البخاري كان على الأرجح يحمل بواعث القلق نفسها، ولكنه جاء رغم ذلك - ليضع نهاية لبعض الوظائف، لكن ليولد كذلك وظائف عديدة جديدة. إن الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة لديها الإمكانية لإحداث تغيير لا مثيل له، وربما تكون العقبة الثانية هي إيجاد سبل لمساعدة الجمهور العام على الاستعداد لهذا التحول والارتقاء به لجعل الحياة أفضل والأجور أعلى. وستكون شبكات الحماية الاجتماعية القوية والفعالة أمرا حاسما، إذ إن اضطراب بعض العقود الاجتماعية وعقود العمالة التقليدية يبدو حتميا. غير أن تطوير التعليم والمهارات سيكون ضروريا أيضا لتمكين عدد أكبر من الناس من الاستفادة من الوظائف في عالم ذي تكنولوجيا عالية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية