الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أطلقت الصين عام 2013 خطة "طريق الحرير الجديد"، وهي مبادرة تعرف أيضا باسم "الحزام والطريق"، تهدف إلى إحياء وتطوير طريق الحرير التاريخي؛ بإقامة شبكات من الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط نقل الطاقة (النفط، الغاز، والكهرباء). ويتضمن المشروع إنفاق الصين لمليارات الدولارات عبر استثمارات في البنى التحتية على طول "طريق الحرير"، الذي يربطها بالقارة الأوروبية مروراً بآسيا والشرق الأوسط والقارة الإفريقية.

ينقسم المشروع إلى شقين؛ أحدهما طريق بري، يتكون من ثلاثة خطوط ينطلق أولها من الصين في اتجاه آسيا الوسطى وروسيا الاتحادية وصولا إلى أوروبا. فيما يمر الخط الثاني من وسط وغرب آسيا ومنطقة الخليج نحو البحر الأبيض المتوسط. ويربط الخط الثالث جنوب شرق آسيا وآسيا الجنوبية بالمحيط الهندي. والآخر طريق بحري، يضم بدوره خطين، ينطلق الأول من الساحل الصيني مرورا بمضيق مالقة إلى الهند والشرق الأوسط وشرق إفريقيا ليصل إلى سواحل أوروبا، بينما يربط الثاني الموانئ الساحلية الصينية بجنوب المحيط الهادي.

في سياق متابعة مجريات تنفيذ هذا المشروع الصيني الضخم يأتي انعقاد قمة الصين وإفريقيا اليوم وغدا (3 و4 سبتمبر) بالعاصمة الصينية بكين، تحت شعار "الصين وإفريقيا.. نحو مجتمع أقوى ذي مستقبل مشترك عن طريق التعاون المربح للجميع" بحضور الرئيس الصيني وممثلين عن 53 دولة إفريقية.

يضع منتدى التعاون الصيني الإفريقي "فوكاك" نصب أعينه أهدافا من جملتها الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا إلى مستوى أعلى، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، في إطار التعاون جنوب/ جنوب اعتمادا على طريق الحرير القديم.

استبشر الأفارقة خيرا بهذا المشروع الذي يعدونه دعامة أساسية للتنمية في قارتهم، ومنفذا للهروب من النهب والاستغلال الغربي لخيرات وثروات القارة السمراء منذ الاستعمار إلى اليوم. وبديلا يمكن لقارة المستقبل الرهان عليه قصد التحرر من وصاية وتحكم العواصم الغربية، التي تكثر من الإملاءات والشروط على هذه الدول؛ خصوصا ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، حتى تقبل بتعزيز المبادلات التجارية معها.

وظاهريا يبدو أن الطرفين مستفيدان من هذا المخطط، فبكين تفتح لنفسها أبوابا جديدة في خضم الحرب التجارية بينها وبين واشنطن، بضمان توسيع الحضور التجاري والاستثماري الصيني بهذه القارة. وتلبية حاجياتها من الطاقية من النفط الإفريقي بحكم حاجتها الماسة إلى الطاقة، حيث تعد الصين ثاني مستهلك عالمي للبترول عالميا، وهي اليوم تحصل على ثلث احتياجاتها النفطية من إفريقيا.

وتأكد هذا عمليا بزيارة شي جين بينغ لهذه القارة، بمجرد تجديد الثقة فيه كرئيس للبلاد، ما يعزز من مركزية القارة الإفريقية في السياسة الخارجية لرجل. مستغلا اتساع الهوة بين أمريكا وإفريقيا، بعد تصدع علاقات الإدارة الأمريكية بهذه القارة بسبب تصريحات ترمب المسيئة إلى الدول الإفريقية مطلع العام الجاري. وجد الأفارقة من جهتهم، في التعامل مع التنين الآسيوي فرصة للتعاون والشراكة بعيدا عن التدخل بالشأن الداخلي لهذه البلدان، كما يفعل الغربيون. إضافة إلى أن بكين دائما ما تقف في وجه العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي يفرضها مجلس الأمن على دول إفريقية، كما فعلت في السنوات الأخيرة مع السودان وزيمبابوي.

تفكير براجماتي تعززه الأرقام المسجلة بشأن التبادل التجاري ومعدلات الاستثمار بين الصين وإفريقيا؛ خلال العقود الأخيرة، فإن الطرفين عازمان على الخروج من شرنقة المركزية الغربية؛ حيث انتقل حجم التبادل التجاري بين الجانبين من 765 مليون دولار عام 1978 إلى أكثر من 170 مليار دولار 2017. وتغطي الصين حاليا قرابة 10 في المائة من صادرات التجارة المتجهة إلى إفريقيا، ويستفيد أكثر من 400 منتج صيني من الإعفاءات الجمركية، مقابل صفقة مالية على شكل مساعدات لدول القارة تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار أمريكي. يرى الراسخون في شؤون الصين أن هذه الأخيرة لا تبتعد كثيرا عن الغرب، حتى إن اختلفت الأساليب المعتدة فالغاية تبقى واحدة، وهي التحكم وإخضاع هذه الدول من باب الاستدانة. بناء عليه، فالمشروع أقرب ما يكون إلى استعمار متخف منه إلى استثمارات تحقق التنمية، وتعود بالنفع على مواطني هذه القارة. يبدو أن سيناريو "الإلغاء أو الاستسلام" الذي يحدث حاليا في آسيا سيتكرر قريبا مع بعض البلدان الإفريقية، حين يعود هؤلاء من القمة ويضعون ما كسبوه من الصين من مغانم في الميزان. فقبل أيام فقط أقدمت ماليزيا على إلغاء ثلاثة مشاريع، ضمنها تشييد خطوط للسكك الحديدية بكلفة 20 مليار دولار، مؤكدة عدم قدرتها على تمويل ذلك نظرا لديونها التي يبلغ حجمها 250 مليار دولار.

في حين اضطرت سريلانكا أواخر العام الماضي إلى الاستسلام بعدما اقترضت 1,4 مليار دولار من بكين لتطوير أحد موانئها، مانحة الصين السيطرة الكاملة على هذا المرفأ لمدة 99 سنة.

يكفي دليلا على هذا التوجه أن دولة مثل جيبوتي من بين الدول الثمانية المشكلة لمشروع الحزام والطريق، أضحت واحدا من البلدان الأكثر تأثرا بمحنة الديون الناجمة عن القروض؛ حيث أظهرت أرقام صندوق النقد الدولي أن دينها العام الخارجي ارتفع من 50 إلى 85 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي خلال عامين فقط.

يبدو أن أماني رئيس الاتحاد الإفريقي ألفا عمر كوناري حين قال إن "إفريقيا بحاجة إلى إقامة علاقات استراتيجية جديدة مع دول الجنوب، لتمكنها من مغادرة المنطق الاستعماري، الذي لا يرى في إفريقيا سوى سوق يجب إغراقها بالمنتجات والبضائع"، بعيدة عن التحكم مع التنين الصيني، الذي يعتمد القوة الناعمة للاستعمار بديلا عن لغة السلاح والعنف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية