الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

في الوقت الذي ستقضي فيه الأتمتة على عدد قليل جدا من الوظائف نهائيا في العقود المقبلة، فمن المرجح أن يكون لها تأثير في نسب من كل الوظائف تقريبا بدرجة ما ــــ اعتمادا على نوع العمل والمهام المتعلقة به. وإذ أعدت للتحرك فيما يتجاوز الأنشطة الروتينية وأنشطة التصنيع المتكرر، فإن الأتمتة لديها الإمكانية لتظهر في مدى أرحب كثيرا من الأنشطة مما هو مرئي حتى الآن، ولتعيد تعريف العمل البشري وأسلوب العمل في مجال الخدمات والقطاعات الأخرى. وفي اليابان، أوجد التراجع السريع في قوة العمل والتدفق المحدود للمهاجرين حافزا قويا للأتمتة، وهو ما يجعل البلد مختبرا مفيدا على نحو خاص لدراسة الآفاق المستقبلية للعمل.

لقد تراجعت تقديرات عدد سكان اليابان برقم قياسي بلغ 264 ألف نسمة في عام 2017. وحاليا يفوق عدد الوفيات عدد المواليد بمعدل يبلغ ألف شخص يوميا. فمنطقة توهوكو في شمال اليابان، على سبيل المثال، فيها الآن سكان أقل مما كان عليه الحال في عام 1950. وقد ظل معدل المواليد في اليابان لوقت طويل أقل على نحو كبير من معدل 2.1 مولود لكل امرأة اللازم لاستدامة النمو — يقف الآن عند معدل 1.4 مولود لكل امرأة — وخلافا للعديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى، فإن الهجرة لا تكفي لسد الفجوة. وقرابة ثلث المواطنين اليابانيين كانوا أكبر من 65 عاما في 2015 ــــ ويشير بحث من المعهد الوطني لبحوث السكان والأمن الاجتماعي إلى أن هذا الرقم سيرتفع إلى قرابة 40 في المائة بحلول عام 2050. وأصدرت شعبة السكان بإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة تقديرا لليابان أظهر أن سكان البلد سيهبطون إلى دون 100 مليون بعد حلول منتصف القرن الواحد والعشرين بقليل. وبنهاية القرن، ستكون اليابان جاهزة لفقد 34 في المائة من سكانها الحاليين.

ومن المتوقع أن تتراجع قوة العمل المحلية اليابانية "هؤلاء الذين بين عمري 15 و64" على نحو أسرع حتى من إجمالي السكان، لتفقد نحو 24 مليونا بين الآن وعام 2050. وفي ظل عدم احتمال زيادة الهجرة بما يكفي لتعويض هذا التراجع الحاد في أي وقت قريب، فإن اليابان تواجه آفاقا ضبابية فيما يخص الإنتاجية، والناتج المحتمل، ونمو الدخل.

إن اليابان ليست غريبة على التعامل مع الموارد المحدودة ــــ بما في ذلك العمالة ــــ وكانت تاريخيا قائدة في التطوير التكنولوجي. فالأتمتة والروبوتات، سواء لتحل محل العمالة البشرية أو لتعززها، هما من المفاهيم الشائعة في المجتمع الياباني. فالشركات اليابانية كانت تقليديا في الطليعة في مجال تكنولوجيا الروبوتات. وقادت مؤسسات مثل FANUC، وKawasaki Heavy Industries، و،Sony وYaskawa Electric Corporation، الطريق في مجال تطوير الروبوتات خلال النهضة الاقتصادية لليابان. وكانت الأتمتة ودمج تكنولوجيا الروبوتات داخل الإنتاج الصناعي جزءا لا يتجزأ من النجاح الاقتصادي لليابان في أعقاب الحرب. وقد بدأت Kawasaki Robotics الإنتاج التجاري للروبوتات الخاصة بالصناعة قبل ما يزيد على 40 عاما مضت. وقد استخدم قرابة 700 ألف روبوت صناعي على مستوى العالم في عام 1995، كان 500 ألف منها في اليابان. ولا تزال اليابان قائدة في إنتاج الروبوتات واستخداماتها الصناعية. وقد صدر البلد ما قيمته قرابة 1.6 مليار دولار من الروبوتات الصناعية في عام 2016 ــــ وهو ما يفوق أكبر خمسة بلدان مصدرة تالية لها "ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية" مجتمعة. واليابان أيضا واحدة من أكثر الاقتصادات إدماجا للروبوتات في العالم من حيث «كثافة الروبوتات » ــــ مقيسة باعتبار عدد الروبوتات بالنسبة لعدد البشر في الصناعات التحويلية والصناعة. وقادت اليابان العالم في هذا المقياس حتى عام 2009، حين ارتفع استخدام كوريا للروبوتات الصناعية وانتقل إنتاج اليابان الصناعي على نحو متزايد إلى الخارج.

كانت علاقة نجاح الاقتران الأولي بين قوة العمل اليابانية والروبوتات ـــ وهو أتمتة قطاعات رئيسة مثل صناعات السيارات والإلكترونيات في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ــــ تبشر بالخير فيما يخص الموجة التالية من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبتأثير على التوظيف والأجور فيما هو أبعد من التصنيع.

أولا، إن الفجوة في نمو الإنتاجية بين قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات في اليابان متسعة للغاية. وفي حين أن هناك أسبابا عديدة، كانت المكاسب الأكبر في الإنتاجية الصناعية متعلقة بقوة بالاستخدام الزائد لتكنولوجيا المعلومات والاتصال والأتمتة. وربما لا يكون من قبيل المصادفة أن قطاعات الصناعات التحويلية الأكثر إنتاجا في اليابان ــــ وهي السيارات والإلكترونيات ـــ هي تلك التي تعتمد عمليات الإنتاج فيها بشدة على الأتمتة. وعلى النقيض، فإن قطاع الخدمات، المسؤول عن 75 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، شهد نموا طفيفا في الإنتاجية السنوية ـــ نحو نصف معدله في الولايات المتحدة تقريبا. وقد تضاعفت إنتاجية العمالة ثلاث مرات تقريبا منذ عام 1970 في الصناعات التحويلية، لكنها تحسنت بنسبة 25 في المائة فقط في قطاع الصناعات غير التحويلية. إن الموجة المقبلة من تكنولوجيا الأتمتة والذكاء الاصطناعي تبشر بإمكانات جديدة لإحلال أو زيادة العمالة في قطاع الصناعات غير التحويلية "على سبيل المثال، في النقل، والاتصالات، وخدمات التجزئة، والتخزين، وقطاعات أخرى". ووفقا للعديد من التقارير الحكومية "من بينها التقرير الاقتصادي الإقليمي لبنك اليابان والمسح السنوي للإنفاق الرأسمالي المخطط الصادر عن بنك التنمية الياباني"، فإنه حتى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تدمج التكنولوجيا الجديدة لتعويض ندرة العمالة وتظل قادرة على المنافسة. وعلى سبيل المثال، يقوم فاميلي مارت Family Mart، وهي سلسلة متاجر تجزئة يابانية بتسريع وتيرة تنفيذ عدادات الدفع الذاتي، فيما قامت مجموعة مطاعم كولووايد Colowide والكثير من مشغلي المطاعم الآخرين بتركيب نقاط تلقي طلبات تعمل باللمس لتبسيط العمليات وتقليل الحاجة إلى عاملين. وتكثر نماذج أخرى في مجال الرعاية الصحية، والخدمات المالية، والنقل، والخدمات الأخرى ــــ بمن في ذلك الطهاة وموظفو الفنادق الآليون...يتبع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية