السبت, 12 سبتمبر 2026|29 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لا يمكننا أن نستبعد احتمال أن يتسع نطاق استخدام بعض الأصول المشفرة في نهاية المطاف، وأن تؤدي عددا أكبر من وظائف النقود في بعض المناطق أو شبكات التجارة الإلكترونية الخاصة.

التحول في سداد المدفوعات

بوجه أعم، قد يشير صعود الأصول المشفرة واستخدام تكنولوجيات دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة على نطاق أوسع إلى حدوث تحول من نظام سداد مدفوعات قائم على الحسابات إلى نظام قائم على القيمة أو العملة "دراسة He and others 2017". ففي النظم القائمة على الحسابات، يقيد تحويل المطالبات في حساب لدى وسيط، مثل المصرف. وفي المقابل، تنطوي النظم القائمة على القيمة أو العملة ببساطة على تحويل غرض قيد سداد المدفوعات، كالسلع الأولية أو العملات الورقية. فإذا أمكن التحقق من قيمة أو صحة الغرض قيد السداد، تمر المعاملة، بصرف النظر عن مدى الثقة بالوسيط أو الجهة المقابلة.

وينذر مثل هذا التحول بتغير في طريقة إنشاء النقود في العصر الرقمي: من النقود الائتمانية إلى النقود السلعية؛ حيث يمكن أن ندور دورة كاملة ونعود إلى ما كنا عليه في عصر النهضة. ففي القرن الـ 20، كانت النقود تقوم أساسا على علاقات ائتمانية؛ حيث تمثل أموال البنك المركزي، أو القاعدة النقدية، علاقة ائتمانية بين البنك المركزي والمواطنين "في حالة الودائع النقدية"، وبين البنك المركزي والمصارف التجارية "في حالة الاحتياطيات". وتمثل أموال المصارف التجارية "الودائع عند الطلب" علاقة ائتمانية بين المصرف وعملائه. وعلى النقيض، لا تستند الأصول المشفرة إلى أي علاقة ائتمانية، ولا تمثل التزامات على أي جهة، وهي أقرب في طبيعتها إلى النقود السلعية.

ولا يزال الاقتصاديون يتناقشون بشأن أصل النقود، ولماذا يبدو أن النظم النقدية راوحت بين النقود السلعية والائتمانية على مدار التاريخ. وإذا أدت الأصول المشفرة بالفعل إلى دور أكبر للنقود السلعية في العصر الرقمي، فمن المرجح أن ينخفض الطلب على أموال البنوك المركزية.

المورد المحتكر

ولكن هل يهم هذا التحول بالنسبة للسياسة النقدية؟ وهل سيؤدي تراجع الطلب على أموال البنوك المركزية إلى خفض قدرة المصارف المركزية على التحكم في أسعار الفائدة قصيرة الأجل؟ فعادة ما تنفذ البنوك المركزية السياسة النقدية عن طريق تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل في سوق الاحتياطيات بين المصارف، "أو عن طريق تسوية الأرصدة التي تمتلكها لدى البنك المركزي". ووفقا لدراسة King 1999، سيؤدي توقف البنوك المركزية عن أداء دور المورد المحتكر لهذه الاحتياطيات إلى حرمانها من القدرة على تنفيذ السياسة النقدية.

ويختلف الاقتصاديون حول ما إذا كان إجراء تصحيحات كبرى في الميزانيات العمومية للبنوك المركزية ضروريا لتحريك أسعار الفائدة في عالم تتوقف فيه التزامات البنوك المركزية عن أداء أي وظائف تسوية. فهل سيحتاج البنك المركزي إلى بيع وشراء كميات كبيرة من الأصول المشفرة لتحريك أسعار الفائدة في عالم الأصول المشفرة؟

وبصرف النظر عن هذه الاختلافات في الآراء، يبقى الشاغل النهائي مماثلا: "إن السؤال الحقيقي الوحيد عن هذا المستقبل هو، إلى أي مدى ستكون السياسات النقدية للبنوك المركزية ذات أهمية؟" "دراسة Woodford 2000".

وبالنسبة إلى بنجامين فريدمان، فإن التحدي الحقيقي هو "أن أسعار الفائدة التي يمكن للبنك المركزي أن يحددها، تصبح أقل ارتباطا - في حدود معينة وليس في المطلق - بأسعار الفائدة وأسعار الأصول الأخرى المهمة للمعاملات الاقتصادية العادية" "دراسة Friedman 2000".

وبعبارة أخرى، إذا لم تعد أموال البنوك المركزية تحدد وحدة الحساب لمعظم الأنشطة الاقتصادية - وإذا وفرت الأصول المشفرة وحدات الحساب هذه - ستصبح السياسة النقدية للبنوك المركزية عديمة الأهمية، وتعطي "الدولرة" في بعض الاقتصادات النامية صورة مماثلة... يتبع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية