بدأ الأمر بضجة كبيرة، بقرع شركة تشياومي الجرس في بورصة هونج كونج، وبدء التداول بتقييم 54 مليار دولار، وهو بالكاد نصف المبلغ المستهدف البالغ 100 مليار دولار قبل ستة أشهر فحسب.
الانكماش في الاكتتاب العام الأولي الذي طرحته الشركة الصينية لصناعة الهواتف الذكية والذي جمع الآن 4.7 مليار دولار، هو قصة توقيت سيئ ومشاحنات تنظيمية وجهود تسويق لم تنجح في الانسجام مع المستثمرين.
في كانون الثاني (يناير) الماضي، كانت مشاعر التفاؤل عالية. كانت شركة تشياومي قد نجحت في تصويب أوضاعها، وكانت الأسواق مزدهرة، ولم تكن نذر الحرب التجارية على ما هي عليه الآن.
كان المصرفيون الاستثماريون في غاية الحماس. 46 مصرفا قدمت عروضها – بحسب قول شخص مطلع في شركة تشياومي، "أي شركة يمكن أن تخطر على بالك" – لتقييمات هذه المجموعة التي مقرها بكين، والتي بدأت بمبلغ 100 مليار دولار وامتدت إلى 150 مليار دولار، وفقا لأقوال شخصين على دراية بالعملية.
حرصا من المصرفيين على تصوير شركة تشياومي على أنها جزء من ثالوث جديد في التكنولوجيا الصينية – حيث أخرجوا شركة بايدو من التشكيلة الثلاثية الأصلية BAT "بات" (الأحرف الأولى من الشركات بايدو وعلي بابا وتنسنت - وضع المصرفيون اختصارات جديدة.
في البداية رفضوا استخدام الرمز "TAX" بسبب دلالاته غير الإيجابية (الضرائب)، وشملت الخيارات استخدام الجزء الأخير من اسم الشركة "mi" لتكوين اختصار "TAM" – وهي تلاعب بالكلمات حول إجمالي السوق المتاحة، وهو مقياس شائع للصناعة.
قصة شركة تشياومي استفادت من الوضع، ثم تبين أن تسويق الفكرة هو أصعب مما كان متوقعًا في البداية. وحرصا من شركة تشياومي على تلميع صورتها في الإنترنت على شاكلة شركتي علي بابا وتنسنت، سعت إلى إعادة صياغة علامتها التجارية، باعتبارها شركة "ثلاثية" تشمل الأجهزة وخدمات الإنترنت والتجارة الإلكترونية.
هذه الرسالة فاتت البعض. أحد المصرفيين لشركة تشياومي لم يجد أمامه مجالا سوى أن يقرأ من نص مكتوب ليصف الطبيعة "الفريدة" للشركة التي كان يأخذها للسوق. في عام 2017 انخفضت خدمات الإنترنت على أساس سنوي كنسبة من الإيرادات، التي كانت أصلا أدنى من 10 في المائة.
كما شعر مديرو الصناديق أن أسئلتهم قوبلت بالرفض أو التجاهل من لاي جون، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة. وقال أحد الأشخاص، الذي شكك حتى فيما إذا كانت قيمة الشركة تقع ضمن النطاق 54 مليار دولار- 77 مليار دولار المتضمَّن في السعر بعد أن تم تخفيض الهدف الأولي البالغ 100 مليار دولار، فقد حُذِّر من أنه "إذا وضعتَ رقما أقل من ذلك، فلن تحصل على شيء".
كما أشار مدير الصندوق إلى أسلوب لاي جون القتالي، قائلا إن الرئيس التنفيذي وبخه لكونه "يركز كثيرا على الأرقام"، وأصر على "إنني رفعتُ المبيعات إلى الضعف الآن، والشركة في حال أفضل بكثير" مما كانت عليه في عام 2014، عندما جمعت شركة تشياومي المال عند تقييم 45 مليار دولار.
وقال مستثمر آخر، إن لاي كان يبدو عليه أنه يشعر بالضيق من موضوع النافذة الزمنية التي يُمنع فيها بيع الأسهم، مفضلا أن يتباهى بأنه حصل على تمويل من أكبر شخصيتين في التكنولوجيا الصينية، هما جاك ما من شركة علي بابا، وبوني ما من شركة تنسنت، اللذان قدم كل منهما مبلغ 100 مليون دولار، وكذلك من قطب هونج كونج هو لي كا شينج. لم تؤكد شركة تشياومي رسميا هؤلاء المستثمرين.
المستثمرون الذين شككوا في الثروة المفاجئة للاي والبالغة 1.5 مليار دولار، والتي تم الكشف عنها في نشرة الإصدار، قيل لهم إنها جاءت كمفاجأة كاملة له.
وقد أبدى محللو أبحاث الأسهم، وكثير من زملائهم في المصارف الاستثمارية على رأس الصفقة، وجهة نظر أكثر تفاؤلا؛ فالأبحاث كلها تقدر قيمة الشركة بين 70 مليار دولار و92 مليار دولار.
كما كان من المتوقع أن يسجل الاكتتاب العام الأولي أمرين جديدين ملحوظين للمرة الأولى في أسواق المال.
في هونج كونج، ستكون شركة تشياومي أول شركة تُدرج تحت قواعد جديدة تسمح بأسهم الطبقة المزدوجة بحقوق تصويت مختلفة، ما يسمح للمؤسسين بالاحتفاظ بنفوذهم بعد أن تصبح الشركة مساهمة عامة.
كما خططت لتكون أول شركة تصدر إيصالات الإيداع الصينية، وهي أداة جديدة تروج لها بكين باعتبارها "العودة إلى الوطن" لأسهم شركات التكنولوجيا – وكلها مدرجة في الخارج.
وبوصفه مندوبًا في المؤتمر الشعبي الوطني، كان لدى لاي حافز مزدوج للشروع أولا في أداة تتولى الحكومة الدفاع عنها.
شركة تشياومي ألغت خططها بشأن إيصالات الإيداع الصينية بعد أن فشلت في التوصل إلى اتفاق مع الجهاز التنظيمي الصيني الذي أرسل قائمة تضم 80 سؤالا إلى الشركة. تعتبر لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية نفسها حامية لمستثمري التجزئة، وكما هي الحال مع عمليات الإدراج المحلية، أرادت وضع سقف لسعر السهم وتطبيق قواعد صارمة، وفقا لأشخاص مطلعين على هذه العملية.
قال أحدهم إنه كان صراعًا بين الفلسفات، حيث وضع البيروقراطية التنظيمية في خندق ضد مرونة التكنولوجيا. "هناك نزاع متأصل. شركة تشياومي علامة على أن هاتين الفلسفتين لا يمكن أن يلتقيا مع بعضهما بعضا".
بكين كان لديها كثير على المحك. وقال أحد المصرفيين إنه "كان يُنظر إلى تشياومي على أنها في الأصل مكلفة إلى حد ما، وآخر شيء يريدونه هو أن يحدث ذلك ويرون أنه ينهار على الفور، لأن ذلك يمكن أن يعرض برنامج إيصالات الإيداع الصينية بالكامل للخطر".
وأضاف آخر أن "السلطات الصينية قلقة للغاية من أن تقييم شركة تشياومي مرتفع فوق الحد، وأنهم يريدون التأكد من أن المستثمرين لن يخسروا المال".
قال شخص قريب من الصفقة، أقر في الوقت نفسه أنها "دائما خطة جريئة"، إنه في حين أن البعض يلقي باللائمة على طموح شركة تشياومي في الاندفاع لإصدار إيصالات الإيداع الصينية في وقت واحد مع الإدراج، إلا أن "الابتكار يتطلب الجرأة".
أخيرا، تعثرت شركة تشياومي في توقيت سيئ الحظ. مع ذهاب المصرفيين إلى المستثمرين، جاء التصعيد حول التجارة – وهو ما أدى إلى إدخال بند في عوامل الخطر في نشرة شركة تشياومي – وبدأت الأسواق المحلية الصينية تقترب من أدنى مستوياتها خلال عامين.
في النهاية، جمعت "تشياومي" طلبات شراء للأسهم كانت أكثر بعشر مرات عن الأسهم المطروحة من التي أتاحتها للمستثمرين الأفراد، وذلك بفضل سعر السهم المتدني. تلقت الشركة طلبات للحصول على أكثر من مليار سهم، أي نحو 9.5 مرة ضعف عدد الأسهم البالغة 108.9 مليون سهم المتاحة بموجب الاكتتاب العام، وذلك وفقا لبيانات مقدمة إلى الجهة التنظيمية.
إذا كان هناك أمل، فهو أن شركة تشياومي مرت بهذا الوضع من قبل، فقد أشار المحلل المستقل ريتشارد وندسور إلى أن آخر دورة لها من المشاكل بدأت بعد فترة وجيزة من إغلاق جولة 2014 التي أعطت شركة تشياومي قيمة 45 مليار دولار.
وبعد عامين، "تحسنت الأوضاع واكتسبت زخما في الهند، واستقرت في الصين. عندما أخذت الأمور تبدو جيدة مرة أخرى، قالوا: دعونا نجري اكتتابًا عامًا".
شركة تشياومي، التي رفضت التعليق على هذا المقال، تقدم حكاية تحذيرية للشركات التي تصطف وراءها من أجل الاكتتابات العامة الأولية، بما في ذلك مجموعة التوصيل عبر الإنترنت ميتوان ديانبينج Meituan Dianping.
قال أحد المصرفيين "إنها شركة جيدة، لكن كل هذه شركات جيدة. القضية هي ماذا كان يدور في أذهان الناس. يحتاج المؤسسون وغيرهم جميعا إلى تعديل توقعاتهم. الناس يخططون قبل الأوان" الآن.


