الجمعة, 4 سبتمبر 2026|21 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حوّل هارولد جينين شركة آي تي تي العملاقة، لتصبح تكتلا سيطر في نهاية المطاف على أكثر من ألفي قسم للأعمال في مختلف أنحاء العالم، بدءا من سلسلة فنادق شيراتون وصولا إلى ووندر بريد.

في عام 1984، بعد أربع سنوات من تخليه عن رئاسة الشركة، كتب جينين في كتابه الذي يهنئ فيه نفسه قائلا: إن الوقت "يثبت أن المتشككين مخطئون، فالطبيعة لا تكره التكتلات". وأضاف قائلا: "قد يضطر أحدهم للعمل بجد أكثر من الرجال الذين يديرون شركات ذات منتج واحد، لكن، مرة أخرى، هنالك بعض الميزات المهمة".

جون فلانيري، الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، يختلف معه في الرأي. هذا الأسبوع، أعلن مخضرم شركة جنرال إلكتريك عن الخطوة الأخيرة الواسعة بالابتعاد عن نموذج خدم هذه الشركة الأمريكية، خلال فترة زمنية كبيرة من النصف الثاني من القرن العشرين.

على الرغم من أن الرؤساء التنفيذيين المتعاقبين كانوا يرفضون إطلاق لقب تكتل على شركة جنرال إلكتريك، إلا أن إخلاصهم لأقسام متنوعة في الأعمال – التي كانت في مرحلة معينة تراوح بين محركات الطائرات والقروض العقارية – مرتبطة معا من خلال قيادة عليا، وخدمات وثقافة مشتركة، بدا وكأنه لا يتزعزع.

في ذروتها، كانت شركة جنرال إلكتريك في طليعة سوق الأوراق المالية.

في أواخر التسعينيات، وأثناء فترة تولي جاك ويلتش القيادة، كانت أعلى الشركات المدرجة قيمة في العالم، بحيث إنها كانت تتفاخر بعضويتها المتواصلة في مؤشر داو جونز الصناعي منذ عام 1907.

كما أصبحت أيضا نموذجا للتطور الإداري، حيث كانت ترقي العاملين الذين كانت تدربهم جيدا ليصلوا إلى منصب الرئيس التنفيذي، وتخطط بكل دقة تدريب وخلافة رؤساء الأقسام.

ومع ذلك، تبدو الأحداث هذا الشهر وكأنها تشير إلى نهاية عصر. في السادس والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي، تم استبدال شركة جنرال إلكتريك في مؤشر داو جونز – في الحقيقة لأسباب فنية أكثر منها جوهرية.

في اليوم نفسه، أعلن فلانيري، بعد أن فكك كثيرا من عمليات الشراء التي أجراها سلفه المباشر جيفري إيميلت وويلتش، أنه يريد أن يفصل أقساما حققت أكثر من 30 في المائة من إيرادات المجموعة العام الماضي، بما في ذلك الرعاية الصحية وحصة الأغلبية في شركة بيكر هيوز، شركة الخدمات النفطية التابعة لها.

خلافا لتأكيد جينين البهيج بأنه يمكن إدارة التكتلات من خلال مجرد تطبيق جهد تنفيذي إضافي ضئيل، يقول فلانيري إن شركة جنرال إلكتريك أصبحت كبيرة فوق الحد ومعقدة فوق الحد على نحوٍ يجعل من غير الممكن إدارتها بشكل جيد.

وسوف يترأس هو شركة جنرال إلكتريك "أبسط وأقوى" تتكون من أنشطة الكهرباء والطاقة المتجددة والطيران، في الوقت الذي "يطلق فيه العنان لعدد من الشركات على مستوى شركة جنرال إلكتريك" داخل السوق.

مرة أخرى، يدق ناقوس الخطر بالنسبة للتكتلات. تفككت شركة آي تي تي في النهاية في التسعينيات والرؤى التي كانت تطبَّق عليها آنذاك - المتضخمة والتي يصعب السيطرة عليها والمترامية الأطراف - يجري تطبيقها الآن على شركة جنرال إلكتريك، الشركة التي كان يبدو عليها أنها أتقنت النموذج. كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟

التاريخ الطويل لشركة جنرال إلكتريك، سليلة شركة إديسون للمصباح الكهربائي التي تحمل اسمه، والتي تأسست في عام 1878، مليء بأزمات النمو، تليها فترات من إعادة الهيكلة.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت "جنرال إلكتريك" تسيطر على 85 في المائة من صناعة المصابيح الكهربائية، ما استدعى إجراء تحقيق من هيئة مكافحة الاحتكار. لكن المجموعة بدأت في التنويع سريعا بعيدا عن جذورها الكهربائية. بحلول الستينيات، كانت تقوم بتصنيع، من بين أشياء أخرى، مفاعلات نووية ومجففات للشعر وتوربينات للطائرات النفاثة وأجهزة حاسوب. مع تعرض هيكلها للإجهاد، تم تبسيطها لتشمل 43 وحدة من أصل أكثر من 200 وحدة.

في الثمانينيات، وأثناء فترة تولي ويلتش، بدأت "جنرال إلكتريك" فترة طويلة أخرى من التوسع، بحيث أعادت تشكيل الشركة حول الهدف الذي مفاده أنه ينبغي على كل قسم - سواء في مجال الترفيه التلفزيوني (إن بي سي) أو تصنيع الثلاجات والفريزرات (أجهزة جنرال إلكتريك المنزلية) - أن يحظى بالمرتبة الأولى أو الثانية في مجاله.

يُنظَر إلى ويلتش على أنه الرمز الأصلي للزعيم الذي يعمل على أساس القيادة والسيطرة، لكنه، مثل فلانيري، حاول اتباع مبدأ اللامركزية في الإدارة، حيث جعل القادة في الميدان عرضة لمزيد من المساءلة.

كما قام أيضا بإعدام بعض الأبقار المقدسة، حيث باع خط إنتاج شركة جنرال إلكتريك المتميز للمحامص وآلات صناعة القهوة وبعض الأجهزة المطبخية الصغيرة.

أثناء فترة تولي ويلتش، بدأت شركة جنرال إلكتريك سعيها الحثيث للابتكار ليس في مجال المنتجات فحسب، بل أيضا في مجال الإدارة، فقد أدخل برنامج سيكس سيجما للتحسين النوعي بما يشتمل عليه من خبراء "متمرسين"، وقام بتعزيز برنامج التدريب على القيادة في مركز يقع في كروتونفيل المحاطة بالأشجار، شمال مدينة نيويورك.

على مدى عقود، كانت تلك عناصر حيوية ساعدت في تبرير وجود التكتل - وتم نسخها لتستخدم في أماكن أخرى.

يقول هنري مينتزبيرج، الكاتب والأكاديمي المخضرم: "كثير من (أساليب الإدارة) التي أصبحت شائعة على نطاق واسع بدأت في شركة جنرال إلكتريك. لقد كانت مركز الابتكار في التفكير الإداري، لكن التفكير الإداري يستطيع أن يقطع بك شوطا محدودا عندما يصبح من غير الممكن إدارة الهياكل التي قمت ببنائها".

كما قام ويلتش أيضا بتوسيع ما أصبح يعرف بشركة جنرال إلكتريك كابيتال، التي بدأت في العشرينيات كوسيلة لتمويل مشتريات العملاء من ثلاجات شركة جنرال إلكتريك، لكنها تحولت إلى تكتل مالي داخل التكتل.

وقد تولى الحملة لكي يجعل تحسين قيمة المساهمين وسعر السهم هدفا أساسيا. واكتسب سمعة في "وول ستريت" على أنه رجل يمكنه تحقيق حالات متكررة وسلسة في نمو الأرباح بأرقام من خانتين. كل تلك المعالم البارزة التي اتسمت بها فترة ولايته عادت لتطارد الذين جاؤوا من بعده.

بالطريقة نفسها التي فكك بها ويلتش بعض الإرث الذي حصل عليه، كذلك خفف إيميلت من بعض التجاوزات التي اتسم بها عصر ويلتش، فقد باع قسم المواد البلاستيكية قناة إن بي سي، من بين أقسام أخرى.

كما ناضل أيضا للتقليل من الاعتماد على مفهوم جنرال إلكتريك كابيتال، التي انكشفت بفعل الأزمة المالية عام 2008، ما شجع ويلتش في وقت متأخر على وصف المسعى المتهور المتعلق بقيمة المساهمين بأنه: "أغبى فكرة في العالم".

في مواجهة كل تلك العقبات، واصل إيميلت اتباع نهج الابتكار الإداري. في محاولة لجعل المجموعة أكثر رشاقة، على سبيل المثال، أدخل تقنيات "الشركات الناشئة الرشيقة" من وادي السيليكون، حيث تُختبَر المنتجات الجديدة في السوق أثناء فترة تطويرها، كما وسع من الجانب الدولي للمجموعة المرتكزة إلى الولايات المتحدة.

في الواقع، خلال قسم كبير من فترة تولي إيميلت كان يبدو على شركة جنرال إلكتريك أنها تتحدى الكليشيه الذي يعتبر أن التكتلات هي بيروقراطيات متثاقلة.

كان السير ويليام كاستيل نائب رئيس مجلس الإدارة في شركة جنرال إلكتريك لعامين بعد أن اشترت شركة آميرشام للتشخيص البريطانية التي كان يعمل فيها في منصب الرئيس التنفيذي، في عام 2004، حيث تم دمجها مع قسم الرعاية الصحية.

يستذكر قائلا: "كانت قيمة (النموذج) بالتأكيد مجموعة من الإجراءات، وكان ذلك ناجحا بصورة فعالة للغاية".

إيميلت، مثل ويلتش، مكث في منصبه فترة أطول مما ينبغي. كما قام ببعض الرهانات الرديئة وبعض الرهانات ذات التوقيت السيئ، بما في ذلك شراء قسم الطاقة من شركة آلستوم في عام 2015، وتوسيع نطاق خدمات الحقول النفطية في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار النفط.

ما تبقى من شركة جنرال إلكتريك كابيتال التي كانت عزيزة على قلب ويلتش، والتي بيع معظمها من قبل شركة جنرال إلكتريك في عام 2015، سممت أيضا إرثه. في وقت سابق من هذا العام، فاجأت الشركة الجميع من خلال إعلانها أن التزامات التأمين المتخلفة سوف تصل كلفتها إلى 15 مليار دولار أكثر مما هو متوقع.

في ضربة أخيرة تعرضت لها سمعة إيميلت، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بعد أن تنحى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أنه كان أحيانا يسافر جوا في رحلات العمل باستخدام طائرتين - إحداهما فارغة، كطائرة احتياطية. وقد اتخذ فلانيري الخطوة الرمزية المتمثلة في إيقاف أسطول طائرات الشركة.

التقليد القديم الطويل، حيث يتخلص الرؤساء التنفيذيون الجدد في شركة جنرال إلكتريك بالتدريج من الأجزاء المتضخمة التي ورثوها عن أسلافهم، ويشير إلى أنه من المحتمل أن فلانيري كان سيتخلص من بعض الأجزاء، بصرف النظر عن الضغط الخارجي.

غير أنه يواجه الضغط أيضا، فشركة تريان، أداة للمستثمر النشط نلسون بيلتز، كانت مدرجة ضمن مجلس إدارة شركة جنرال إلكتريك منذ العام الماضي. وبيلتز لن يتخلى عن سعيه للحصول على مزيد من التخفيضات وزيادة الأرباح.

حتى بعد انتعاش سعر السهم هذا الأسبوع، يتم تداول الأسهم بأقل من ربع الذروة التي حققتها في عام 2000 والتي بلغت 60 دولارا.

في فترة زمنية تنقسم فيها الشركات الصناعية المتنوعة الأخرى، بما فيها شركات تايكو وألكوا وسيمنز في ألمانيا، أو قامت بتبسيط أعمالها، تحاول شركة جنرال إلكتريك مرة أخرى الآن إعلان نهاية عصر المجموعات الضخمة.

تنفيذ ذلك يعني التقليل من شأن استمرار وجود الشركات المتنوعة في كل أنحاء العالم، مثل الهند، حيث لا تُظهر أمثال شركة تاتا، على الرغم من القيود التي تتعرض لها الحوكمة، أي بوادر على التفكك، أو كوريا الجنوبية، التي لا تزال تتباهى بوجود التشايبول القوية مثل شركة سامسونج.

في الولايات المتحدة، فإن شركة بيركشاير هاثاواي هي محفظة استثمارية من الشركات العاملة التي تدار عن بُعد من قبل وارن بافيت وتشارلي مونجر وفريق مصغر مقره أوماها.

مجموعات الأسهم الخاصة مثل بلاكستون تشبه الشركات المتنوعة ذات المنتجات المتعددة، والمدعومة – كما كانت شركة جنرال إلكتريك في الماضي – من قبل هندسة مالية وخبرات تشغيلية من المركز.

يقول البروفسور مينتزبيرج: "الطريقة التي تتعامل فيها مع التكتل هي في عدم إدارته، فأنت تختار أقساما جيدة وأشخاصا جيدين لإدارتها".

ثم هنالك جيل جديد من تكتلات التكنولوجيا، التي تتشارك في بعض الميزات التي كانت تتسم بها شركة جنرال إلكتريك قديما: شركة أمازون، التي قامت بتوسيع نطاق عملها من منصتها المسيطرة في مجال البيع بالتجزئة عبر الإنترنت، لتتحول إلى متاجر لبيع الأغذية وخدمات الويب وبث الفيديو والموسيقى، أو شركة ألفابت، التي لا تزال تعتمد إلى حد كبير على عمليات البحث المحورية في محرك جوجل، لكن مع طموحات ضخمة، تبدأ من السيارات ذاتية القيادة إلى مجال الرعاية الصحية.

أقيمت مراسم الوفاة مرات كثيرة من قبل على نموذج التكتل، مع ذلك لم يقم أي أحد قط بدفن النموذج. كتبت صحيفة فاينانشيال تايمز في عام 1970: إن "سحر التكتل ولى وانتهى، ربما للأبد"، أي قبل 14 عاما كاملة من إعلان هارولد جينين أنه هو وشركة آي تي تي تمكنا من هزيمة المتشككين.

لربما تعتبر شركة جنرال إلكتريك يوما ما أنه قد حان الوقت لتتفرع مرة أخرى. عندما تولى فلانيري مهام منصبه خلفا لإيمليت العام الماضي، لاحظ المحللون أنه أكبر سنا من كل واحد من أسلافه الاثنين عندما توليا منصبهما.

هذا يشير إلى أنه سيحظى بفترة ولاية أقصر زمنا. قبل فترة ليست بالطويلة، قد يتاح المجال أمام خليفة يأتي بعد فلانيري، لإعادة تشكيل شركة جنرال إلكتريك مرة أخرى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية