الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بحسب القانون الأول لنيوتن، يظل الجسم المتحرك في حركته ما لم تؤثر فيه قوة خارجية. في ظل قيادته الجديدة، يبدو أن استراتيجية السياسة النقدية التي ينتهجها الاحتياطي الفيدرالي تتبع المنطق نفسه. في مؤتمره الصحافي في حزيران (يونيو)، قال رئيس مجلس البنك المركزي الأمريكي، جاي باول، إن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة إلى أن "نشعر أن الاقتصاد يستجيب بشكل سيئ".

أحدث الأرقام تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي يفعل كل شيء ما عدا الاستجابة بشكل سيئ. تراجع معدل البطالة إلى 3.75 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ 48 عاما، وأدنى بواقع ثلاثة أرباع نقطة مئوية عن المتوسط التقديري للمعدل المستدام طويل الأمد الخاص بالاحتياطي الفيدرالي. وارتفعت الأسعار الاستهلاكية 2.3 في المائة في أيار (مايو) مقارنة بالعام الماضي. وباستثناء فئات المواد الغذائية والطاقة ذات الأسعار المتقلبة، ارتفع تضخم النفقات الاستهلاكية الشخصية الأساسي ليصل إلى 2 في المائة، مطابقا هدف الاحتياطي الفيدرالي للمرة الأولى منذ أكثر من ستة أعوام.

رغم المخاطر السلبية المترتبة على التوترات التجارية، يبدو أن تلك الاتجاهات في سبيلها إلى الاستمرار. ولا تزال السياسة النقدية توسعية، إضافة إلى التوسع الكبير جدا في المالية العامة الذي ينتظر أن يزداد في السنوات المقبلة. ومن المنتظر أن تصبح سوق العمل أكثر تشددا وأن تفرض ضغوطا تصاعدية متواصلة على التضخم.

مع الزيادة الأخيرة في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية التي أصبحت في نطاق يقع بين 1.75 في المائة و2 في المائة، تمكن الاحتياطي الفيدرالي أخيرا من جعل أسعار الفائدة الحقيقية تصل إلى ما يقارب الصفر. ومع زيادات تدريجية أخرى في كل فصل، قد تنهي أسعار الفائدة هذه السنة وهي على الطرف الأدنى من النطاق المحايد لصناع السياسة في الاحتياطي الفيدرالي – أي المعدل الذي لا يحفز ولا يبطئ النشاط الاقتصادي. نظرا للمسار التدريجي الوارد في موجز الاحتياطي الفيدرالي للتوقعات الاقتصادية، ستصبح السياسة النقدية في نهاية المطاف تقييدية بشكل متواضع في وقت معين من عام 2019 أو لاحقا.

هل تم إنجاز المهمة؟ تشير النظرية الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي إلى أنه لم يتم إنجازها بعد. مع فجوات زمنية طويلة ومتغيرة بين السياسة النقدية وأثرها في النشاط الاقتصادي، تعلمنا النظرية أن أسعار الفائدة بحاجة إلى أن تكون تقييدية قبل أن يصبح الاقتصاد متسارعا. الاحتمال هو أن الاحتياطي الفيدرالي سيمكِّن اقتصادا أكثر تسارعا ومن ثم سيتعين عليه التخفيف من هذا التسارع. ومع احتساب الأسواق خصما على مسار تدريجي أكثر حتى من قبل من حيث زيادات أسعار الفائدة، يواجه البنك المركزي خطر التعرض لعودة مالية حادة ومفاجئة عندما يتعين عليه التخفيف من سرعته.

تستجيب الأسواق المالية الدولية لاحتمال تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة من خلال توقع ارتفاع قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى. في الماضي كان هذا حافزا رئيسا لحدوث أزمات مالية دولية.

ومع رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة وخفض بنك الشعب الصيني متطلبات الاحتياطي في حزيران (يونيو)، تراجع الرنمينبي أكثر من 3 في المائة مقابل الدولار، وهو أكبر انخفاض شهري له على الإطلاق للعملة المدارة بإحكام. استمرارية التراجع في قيمة العملة تنذر بخطر تكرار ما حدث في عام 2015 من تدفقات رأس المال الخارجة التي زعزعت الاستقرار حين تباعد مسار السياسات النقدية الصينية والأمريكية. في ذلك الوقت، تسبب الذعر المالي المعتدل الذي استمر حتى مطلع عام 2016 في إثارة مخاوف من حصول ركود عالمي.

في أماكن أخرى في الأسواق الناشئة، تتعرض البنوك المركزية لضغوط للاستجابة للدولار الأقوى من خلال الدفاع عن عملاتها برفع أسعار الفائدة. الاقتصادات الأضعف، مثل الأرجنتين وتركيا، شهدت من قبل ضغطا كبيرا مع انخفاضات حادة في قيمة عملاتها وتدفقات خارجة لرأس المال.

حالات الضعف ليست مقصورة على الاقتصادات الأكثر تعرضا لسوء الإدارة. فقد فاجأت إندونيسيا السوق من خلال رفع أسعار الفائدة 50 نقطة أساس الشهر الماضي. والمكسيك بصدد رفع أسعار الفائدة للدفاع عن عملتها، ويعتقد بعض المراقبين أن الخطوة التالية في البرازيل ستكون زيادة أسعار الفائدة. انخفاض أسواق الأسهم في تلك البلدان هذا العام وارتفاع قيمة العملة الأمريكية جعلا من الصعب على المقترضين المحليين تسديد الديون الأكثر تكلفة، المقومة بالدولار.

بالعودة إلى الولايات المتحدة، إلى حد كبير لم يكترث الاحتياطي الفيدرالي بالعواقب الدولية المترتبة على قراراته. يبدو وكأن النهج التدريجي يفرض مخاطر يمكن التحكم بها لأن التضخم بلغ أخيرا فقط هدف 2 في المائة، وربما يستمر احتواؤه في المستقبل القريب نظرا لمدى الاستواء الذي يبدو عليه منحنى فيليبس.

لسوء الحظ، يعلمنا التاريخ أن الاحتياطي الفيدرالي لم ينجح قط في إدارة هبوط سلس مع مثل ظروف الاقتصاد الكلي الحالية. في كل حالة شدد فيها الاحتياطي الفيدرالي السياسة بشكل كاف لرفع معدل البطالة أكثر من أربعة أعشار نقطة مئوية، تسبب ذلك في حصول ركود اقتصادي.

لكن باول قال في مؤتمره الصحافي إن "من الممكن تماما" أن تكون نسبة البطالة القابلة للاستدامة على الأمد الطويل أدنى من 4.5 في المائة. هناك بالتأكيد نوع من اللبس حول المتغيرات غير الخاضعة للملاحظة التي توجه السياسة النقدية. لكن إذا كانت هناك عوامل لبس، لماذا تتم إدارة السياسة النقدية وكأن القيمة الحقيقية أدنى 75 نقطة أساس، أو أكثر من التقدير الرسمي؟

سيكون الاقتصاد ذو الضغط العالي رائعا أثناء الحفل. لكن البقايا العالقة من الركود يمكن أن تكون قاسية للغاية. هناك استراتيجية أفضل وهي مزيد من التوجه إلى الأمام. يجب أن ندرك أن الاقتصاد في حالة تسارع الآن بدلا من أن نرجو أنه ليس كذلك، وأن نعلن أن السياسة النقدية تحتاج إلى أن تكون تقييدية أكثر على نحو أسرع مما هو متوقع، والتعامل مع ذلك. سيتعين على صناع السياسة أن يتحملوا بعض الألم على الأمد القصير في الوقت الذي يعيدون فيه ترتيب اصطفاف توقعات السوق لتكون منسجمة مع مسار أكثر تشددا بشأن أسعار الفائدة. لكن هذا أفضل من الطابع التدريجي الذي من الناحية العملية يضمن عامل اصطفاف أكبر وأكثر إيلاما في مرحلة لاحقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية