ونحن نقترب من الذكرى الثالثة لصيف 2015 الفظيع في السوق المالية في الصين، يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه. ها هي أسعار الأسهم بدأت في الانخفاض مرة أخرى، وكذلك عملة الرنمينبي.
على أن هذا ليس تكرارا لتلك الأشهر التي شهدت حالة من الفوضى في عام 2015، عندما عمل انهيار فقاعة سوق الأسهم والتخفيض الفوضوي لقيمة العملة على إرسال صدمات انتشرت عبر الاقتصاد الصيني، وكذلك الأسواق العالمية.
المخاطر آخذة في الازدياد، ولا سيما نظرا للشكوك المحيطة بسياسة التجارة الأمريكية نحو الصين، ورد فعل بكين على أية إجراءات عقابية، لكن الخلفية الاقتصادية لا تزال حميدة إلى حد معقول، حتى مع أن الموجة الأخيرة من البيانات الشهرية الصادرة عن الأبحاث الخاصة لـ"فاينانشيال تايمز" تشير إلى أن النشاط واصل تباطؤه في حزيران (يونيو) الماضي، عن معدلات النمو القوية التي شهدها بداية هذا العام.
أشارت السلطات إلى أنها مستعدة لتخفيف السياسة، لكنها لم تتخذ حتى الآن، سوى خطوات صغيرة لتخفيف حالات الإجهاد التي تسببت بها حملتها الرامية إلى الحد من ممارسات الإقراض المحفوفة بالمخاطر، والتي لا تزال الأولوية في السياسة.
انخفض مؤشر أنشطة الأعمال لشهر حزيران (يونيو) الماضي، والذي يسجل قراءة إجمالية لنتائج دراستنا الاستقصائية، بمقدار 2.1 نقطة على أساس شهري ليصل إلى 51 نقطة، بعد أن ضعفت جميع مكوناته الثلاثة مقارنة بالشهر السابق.
كانت ظروف التصدير أكثر ضعفا مما كانت عليه في أيار (مايو) لأن مزيدا من الشركات أفادت بوجود ضعف في الطلبات الجديدة، في الوقت الذي انخفض فيه مؤشر الشحن إلى أدنى مستوى له منذ عشرة أشهر، مع تحذير معظم الأشخاص الذين شملتهم الدراسة بأن أحجام الشحن تأثرت بانكماش الأعمال منذ آب (أغسطس) من عام 2016.
عانت ثقة المستهلكين استجابة للعناوين الرئيسية القاتمة المتعلقة بالحروب التجارية وتراجع في سوق الأسهم. مع ذلك، تعزز مقياسنا للإنفاق التقديري في الوقت الذي بقي فيه المؤشر الاستهلاكي الرئيسي أعلى من مستوياته التي وصل إليها العام الماضي.
وكانت دراستنا في الاستبيان قد سلطت الضوء سابقا على ضعف المزاج العام أمام التغيرات الحادة في أسعار الأصول، لكن المستهلكين أكثر استثمارا بكثير في سوق الإسكان من استثمارهم في أسهم الدرجة الأولى. ما دامت أسعار المساكن في ازدهار – وقد كانت كذلك في حزيران (يونيو) الماضي – ينبغي أن يبقى المستهلكون في حالة تفاؤل.
الإغاثة، لكن بشروط
لم تقف الحكومة صامتة أمام ما حدث في الأسواق، لكنها لم تكن كذلك سخية جدا في تقديم الدعم. فالتخفيضات الضريبية المفروضة على الواردات والخطط التي تهدف إلى التخفيف من عبء الضريبة على دخل الأسر هما جزء من خطط أطول أجلا لتعزيز الاستهلاك. من حيث الأثر الفوري، تم الإعلان عن ثالث تخفيض في نسبة متطلبات الاحتياطي لهذا العام في الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي، وهذا سيعمل على تحرير نحو 700 مليار رنمينبي لتعود إلى النظام المالي.
تاريخيا، كان تخفيض نسبة الاحتياطي هو ملاذ الحكومة حين تشعر بالهلع من مشهد النمو الاقتصادي. والتخفيضات التي حصلت في عامي 2015 و2016 كانت ترافقها تعليقات رسمية توضح بأنها كانت استجابة للنمو المتعثر.
خطوات هذا العام جاءت بشروط، الأمر الذي يشير إلى أن التحفيز ليس هو المقصود. معظم الأموال التي تحررت بعد تخفيضات نيسان (إبريل) الماضي، كان هدفها مساعدة المصارف على تسديد القروض الأكثر تكلفة المأخوذة من بنك الشعب الصيني.
وهذه الخطوة الأخيرة تنص على أن تمويل المصارف الكبرى لمقايضة السندات بحقوق الملكية لدى الشركات المثقلة بالديون، وأن تستخدم المصارف الصغيرة الأموالَ من أجل الإقراض إلى الشركات الصغيرة.
مشاكل التمويل الناتجة عن تقليص الرفع المالي شهدت 25 نوعا من السندات، التي تبلغ قيمتها الاسمية الإجمالية 25.3 مليار رنمينبي (3.8 مليار دولار)، تصاب بالإعسار حتى الآن من هذا العام، 47 في المائة أكثر مما كانت عليه خلال الفترة نفسها من عام 2017. ولا نعلم حتى الآن إن كانت الشركات الصغيرة ستستفيد من تلك التدابير – فالمصارف عادة تفضل تقديم القروض للعقارات، حيث يعتقد بأن المخاطر أقل.
على الرغم من أن المستثمرين يعانون من خطر تقليل قيمة تصميم القيادة المالية الجديدة الصارمة من حيث عدم الرضوخ للضغط وتطهير النظام، إلا أنه ينبغي عليهم توقع المزيد من التخفيف المباشر للسياسة إن تعرض هدف النمو المتوقع لهذا العام بنسبة 6.5 في المائة لأي تهديد، أو إذا أصبحت هذه الموجة الصغيرة نسبيا من حالات الإعسار أمرا أكثر زعزعة للاستقرار. تخفيف السياسة بشكل نشط فوق الحد يؤدي أيضا إلى زيادة الخطر بتدفقات رأس المال إلى الخارج.
قبل ثلاث سنوات، اضطرت الحكومة إلى تشديد ضوابط رأس المال وإنفاق مبلغ تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي في محاولة منها لتثبيت الاستقرار في النظام المالي. كانت تلك هي اللحظة التي يمكن تعلم الدروس منها في 2015 و2016 وهي لحظة لا ترغب السلطات في تكرارها.


