طالما تردد على أكثر من لسان أن لعبة كرة القدم تجاوزت حدود الروح والتنافس الرياضي لتدخل دوائر الحسابات السياسية، ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمجريات أطوار مباريات كأس العالم، تواصل القيادة الروسية البحث عن كل المداخل الممكنة لتوظيف هذا الحدث العالمي لصالحها، بعد قيام شبه إجماع في المعسكر الغربي على إدخالها في عزلة دولية؛ عقابا لها على السياسيات التي تنهجها في عدد من المناطق بشرق أوروبا والشرق الأوسط.
امتزاج الرياضة بالسياسة في هذا الحدث الرياضي، دفع بصحف عالمية إلى الكلام عن "الحدث الرياضي الأكثر تسييسا عبر التاريخ"، فيما ذهبت أخرى إلى وصفه بـ"مونديال بوتين وليس مونديال روسيا". ولم يتوان بعضهم عن اتهام النظام في موسكو بالعمل على إعادة استنساخ تجربة النظام النازي في ألمانيا؛ حين استغل دورة الألعاب الأولمبية عام 1936، من أجل تحسين صورته الدولية، من خلال محاولة تبييض الممارسات النازية.
عادة ما يتم قبول الاقتران القائم بين الرياضي والاقتصادي، نظرا للترابط القائم بينهما خصوصا بعد التطور الذي لحق بفكرة الرياضة وانتقالها من مستوى الهواية إلى درجة الاحترافية. فاحتضان تظاهرة رياضية كيفما كانت له تكلفة ينبغي دفعها، وفي المقابل يوفر للبلد المحتضن عوائد وأرباح. لكن الجديد هو اتساع نطاق استثمار الرياضة ليشمل مجال السياسية بعدما كان مقتصرا على عالم الاقتصاد.
متلازمة الرياضة والاقتصاد
لا يزال بعض عشاق المستديرة؛ من ذوي النيات الحسنة، ينكرون خضوعها للاقتصاد، واختراقها قواعد السوق لهذه اللعبة، معتبرين أن الحضور الاقتصادي فيها طارئ وعابر. ربما يكون هؤلاء على صواب متى اقتصر النظر على جوهر اللعبة؛ أي زمن المباراة فقط، أما ما يسبق هذا الزمن وما يعقبه فلا، لأن للأرقام والإحصائيات رأي آخر.
ولا أدل على ذلك، من الارتفاع المستمر لمكاسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في البطولات الأخيرة، حيث إن بطولة 2002 بكوريا واليابان درت عليها عوائد قيمتها 129 مليون دولار، فيما ارتفع الرقم في دورة ألمانيا سنة 2006 إلى 339 مليون دولار، ثم بلغ 705 ملايين دولار في بطولة 2010 بجنوب إفريقيا، فيما تجاوز بقليل 1,2 مليار دولار في دورة البرازيل قبل أربع سنوات.
ذات المنحى التصاعدي، يسجل أيضا على مستوى الإنفاق بالنسبة للبلد المحتضن للدورة، والذي بلغ رقما قياسيا في هذه النسخة، إذ وصل إلى نحو 14 مليار دولار، فيما كلفت النسخة الماضية في البرازيل زهاء 11 مليار دولار فقط. أما نسخة ألمـانيا قبل 12 سنة، فلم تتجاوز حينها 7,7 مليار دولار.
يتوقع المحللون الاقتصاديون أن يكون لهذه المليارات أثر واضح؛ على المدى القريب أو البعيد، على الاقتصاد الروسي الجائع، من خلال إنعاش خزينة البلاد، وتحريك السوق، خصوصا بعد سنوات من الركـود الاقتصادي إثر قيود غربية مستمرة توالت على روسيا بسبب مواقفها السياسيـة في السنوات الأخيرة. فكأس العالم بالنسبة لروسيا، يقول أحدهم، أشبه بقناع الأكسجين، الذي يجعلها تستعيد بعضا من صفاء وجهه الأبيض بعد عدة سنوات من الشحوب الاقتصادي والسياسي والأمني.
تفيد الأرقام بأن المونديال أكبر من مجرد قنينة أكسجين، فوفق دراسة للحكومة الروسية تتوقع أن تحقق البلاد أرباحا قيمتها 23 مليارا كعوائد فورية خلال البطولة. فيما ذهبت إحدى الخبيرات في مجال السياحة إلى القول بأن "السائح الأجنبي الواحد الذي سيزور روسيا خلال البطولة، سيسهم في إيجاد خمس فرص عمل في قطاع الفنادق والمطاعم". كما توقعت "أن يدر كل روبل روسي تم إنفاقه نحو 4,5 روبل".
شكك كثير من الروسيين في هذه الأرقام، المبالغ فيها من وجهة نظرهم، فقبل أربع سنوات احتضنت البلاد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وأنفقت على تحضيـراتها أرقاما قياسية في تاريخ هذه الألعاب، وصلت إلى نحو 50 مليار دولار في مدينة سوتشي التي تطل على البحر الأسود قريبا من القوقاز. لكن هذا الإنفاق لم تتلو تلك الوعود، بتحقيق مردود جيد على الاقتصاد بالشكل الذي تم الترويج له.
متلازمة الرياضة والسياسة
تسعى روسيا من وراء تنظيم الحدث الرياضي الأبرز عالميا إلى تثبيت مكانتها كقوة عظمى، بعدما كانت محط انتقادات منذ اختيارها في 2010 لاستضافة المونديال، للمرة الأولى في تاريخها، في ظل ارتفاع حدة الخلافات بين موسكو والعواصم الغربية في الأعوام الأخيرة بسبب التجاذب حول ملفات شتى. وقبل ذلك ترمي إلى استثمار هذا الحدث لتصحيح صورتها النمطية بالنسبة للعالم أنها دولة مغلقة، ومن الصعب التعامل مع أهلها أو زيارتها.
لن يجد قيصر روسيا الجديد أفضل من المونديال لتقديم روسيا للعالم، بعد مرحلة طويلة من البناء عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. معلنا بذلك عودة الإمبراطورية الروسية بقوة، لا بل إنها مركز مهم من مراكز التأثير في العالم.
منذ انطلاق المباريات بدأ الحديث في الأوساط الدبلوماسية الروسية على أن روسيا "حققت فوزا جيوسياسيا مؤكدا بصرف النظر عن الفائز بالملاعب"، بعد كسرها للعزلة المتزايدة المفروضة عليها من قبل الدول الغربية، واستطاعتها التصدي لمحاولات جيرانها الأوروبيين فرض مقاطعة دولية للمونديال، بعد مطالبة 60 فردا من أعضاء البرلمان الأوروبي؛ من 16 دولة من الاتحاد الأوروبي وخمس مجموعات سياسية مختلفة عبر رسالة مفتوحة لحكومات الاتحاد الأوروبي، بسبب حروب روسيا في سورية وأوكرانيا، واحتجاز السجناء السياسيين الأوكرانيين.
تأتي هذه المطالب على خلفية التوتر المتصاعد في العلاقات البريطانية الروسية، الذي لم تشهده علاقات البلدين منذ نهاية الحرب الباردة، لدرجة أن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، لم يتردد في مقارنة سياسات الرئيس بوتين بممارسات الديكتاتور الألماني هتلر، بقوله "أعتقد أن ما سيحدث في كأس العالم في موسكو ستتم مقارنته بأولمبياد 1936، فبوتين سيستخدم كأس العالم بالطريقة التي استخدم بها هتلر الألعاب الأولمبية".
يكفي دليلا على الترابط والتعقيد القائم بين الرياضة والسياسية، التي عدت إحدى سبل دعم الشرعية الداخلية للساسة، وتعزيز الحضور الإقليمي والدولي، أن روسيا ثالث دولة في مجموعة البريكس، تستضيف بطولة كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، بعد جنوب إفريقيا والبرازيل.
يبدو أن قيصر روسيا الجديد الذي أعادها إلى الساحة الدولية، بفرض التغيير في موازين القوى الدولية من خلال قلب الحقائق على أرض الواقع بقوة السلاح، يسعى إلى توظيف القوة الناعمة لمحو أو تصحيح صورة روسيا في باقي أركان العالم. رهان مفتوح يبقى المستقبل كفيلا بالإجابة عنه، لكن المؤكد أن المكاسب التي حققها من وراء استضافة هذه الدورة ستجعل بوتين لدى الروسيين، أفضل رئيس جاء في تاريخ روسيا على مر العصور.



