الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

عم التوتر أجواء الأسواق الإيرانية أخيرا، جراء احتجاجات كان سببها غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة الوطنية الإيرانية، إضافة إلى هدر موارد البلاد وإنفاق مدخرات الخزينة على تدخلات غير مجدية بالدول المحيطة، إذ ينفق النظام نحو مليار دولار شهريا على النزاع القائم في سورية، إضافة إلى دعم مفتوح لجماعة "الحوثي" الإرهابية في اليمن، وحزب الله في لبنان وسورية، واجتاحت المظاهرات والتجمعات الثائرة طهران وعديدا من مدن الجنوب الإيراني بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية وقمع الحريات.

وشهدت الأراضي الإيرانية حراكا شعبيا واسعا بدأت بمطالبة اقتصادية بسيطة، لتطال بعد ذلك أكبر الرموز والشخصيات في البلاد، إذ طالب المتظاهرون بإصلاح الأوضاع الاقتصادية وتلميحات بإقالة الحكومة، لكنها سرعان ما حملت شعارات تطال رأس النظام، إضافة إلى مطالبتهم الحكومة ترك ساحات القتال في سورية والعراق واليمن والالتفات للداخل الإيراني.

وعلى عكس احتجاجات ديسمبر الماضي التي بدأت من مختلف المدن الإيرانية وكانت بعيدة عن العاصمة طهران، كانت الانطلاقة هذه المرة من قلب بازار طهران بعد أن أقدم أصحاب المحال التجارية على الإضراب والاحتجاج، ليواجهها النظام بالضرب بيد من حديد، من خلال نشر قواته الأمنية ومواجهة المظاهرات السلمية بكل وحشية وعنف.

وتزامنت الاحتجاجات مع النتائج المخيبة للمنتخب الإيراني في بطولة كأس العالم، فالجماهير التي كانت على أهبة الاستعداد جراء الاحتقان الحاصل من صعوبات الحياة والفقر في حين أن موارد الدولة تنفق في أماكن أخرى لا تغني ولا تسمن من جوعهم، رأت بأنه لا محالة من الاستمرار بنزيف طال مستويات الحياة كافة، بدأ من أصغر الأمور حجما ليصل حد الكراهية على مستوى العالم أجمع، لتخرج الأحداث عن السيطرة، في حين كان رئيس النظام حسن روحاني مشغولا بالاستجمام، والذي هاجمته صحف المعارضة بأعدادها، حيث نشرت صحيفة "وطن إمروز" صورة روحاني خلال وجوده في أحد المراكز الترفيهية شمالي طهران، وهو يرتدي بدلة رياضية أجنبية، وتنتقد تجاهل الرئيس للأوضاع المعيشية الصعبة التي يعانيها الشعب الإيراني.

حلول

وفي سعيه لتجاوز الأزمة، أبدى روحاني استعداده للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن سلطاته المحدودة ستواجه بالفشل، إذ إن القرار الأول والأخير لصاحب العمامة السوداء الأكثر دموية في النظام خامنئي، الذي لا يمكنه عقد صفقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأسباب وجودية للثورة والنظام.

بدورها، قالت الناشطة وابنة الرئيس السابق فائزة هاشمي رفسنجاني، في حوار صحافي، "يجب عقد مفاوضات مع الولايات المتحدة قبل فوات الأوان بغية الخروج من الأزمة"، في إشارة لقرارات روحاني وحكومته للسيطرة على أزمات البلاد، وأضافت "على ما يبدو الرئيس روحاني ترك الحبل على القارب".

فيما دعت جهات أصولية إلى ضرورة إطلاق يد الحرس الثوري أكثر وتفويضه بصلاحيات حكومية واسعة لإنقاذ الوضع الراهن في إيران، إذ إن البلاد مقبلة على خطوة غير مسبوقة تتمثل في إقالة الحكومة الحالية وفرض حكومة شبه عسكرية تقود البلاد حتى إشعار آخر.

ويعد السيناريو الأكثر استساغة لـ"العمامة السوداء" التضحية بروحاني وحكومته، ليكون كبش الفداء، إذ يعد هذا الحل الأقرب لرؤية الحرس الثوري، حيث صرح الجنرال رحيم صفوي قائد الحرس الثوري السابق وكبير مستشاري خامنئي "بأن البلاد يمكن إدارتها بشكل أفضل دون وجود حكومة منتخبة"، مشيرا لاحتمال اللجوء لحكومة عسكرية أمنية في حال اضطر النظام لهذا الخيار.

ضد التيار

روحاني يرد بقوة ويستخدم لغة قوية غير مسبوقة على دعوات الحرس والمحافظين للاستقالة: "ستصمد الحكومة ولن تنسحب وكل من يعتقد غير ذلك فهو مخطئ، نحن لا نطلق شعارات خاوية، ونقف اليوم على ثغور إيران؛ ثغر الاقتصاد، وثغر الكرامة، سنفتديها بأرواحنا، نضحي بسمعتنا بكل فخر من أجل إيران، الحكومة ستصمد، إذا كان هناك من يعتقد أن الحكومة ستخاف أو تستقيل وتنسحب فهو واهم، سنبقى أوفياء لعهودنا حتى آخر يوم من عمر الحكومة الـ12، وعدنا الناس وسنحفظ أمانتهم".

ويعد هذا الخطاب تحديا صريحا للحرس الثوري الإيراني وسلطة "العمائم السوداء"، والذي إذا استمر سينشأ عنه شرخ كبير في مراكز صنع القرار ينعكس على أرض الواقع، ما يدفع روحاني للارتماء بأحضان الشعب ضد المرجعية، التي تفضل فض الاحتجاجات بالقوة، دون اللجوء إلى المحادثات السلمية.

في سياق متصل، شهد البرلمان الإيراني احتجاجات "لفظية"، من خلال حديث العضو الإصلاحي عن مدينة كاشمر (في محافظة خراسان) بهروز بنيادي، الذي شن نقدا لاذعا، في بداية حديثه، ضد كل من الرئيس السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين، محذرا من تقارب البلدين على حساب "الضحية إيران". وقال "اليوم نشاهد الأسد وهو يزيد من تناغمه مع بوتين بكل وقاحة، هو لا يقلل فقط من أهمية (شهدائنا) في سورية، بل ينكر في بعض الأحيان ذلك، وباستكمال الحديث عن الأسد وبوتين، قال النائب الإيراني "لا أستبعد أن يضحيا بنا لنتانياهو وترمب".

إلى ذلك، حظيت الاحتجاجات بتأييد من بعض السياسيين الإيرانيين، أشهرهم حسام الدين آشنا مستشار الرئيس الإيراني حاليا، الذي كان رجل دين سابقا، وهو أيضا ضابط أمن سابق في صفوف وزارة الاستخبارات، وهو أكثر المرشحين حظا لتقلد منصب ما في المرحلة المقبلة بعد أن يتم الإطاحة بروحاني وفريقه، والإبقاء على شخصيات من شاكلة حسام الدين آشنا وإسحاق جهانغيري، فيما صرح برلماني إيراني نقلا عن نائب الرئيس إسحاق جهانغيري "نحن على وشك خوض حرب اقتصادية قاسية، حتى روسيا والصين لا تستطيعا مساعدتنا فيها"، "مقبلون على ظروف أصعب بكثير من السابق"، في وقت يضخ النظام الإيراني ملايين الدولارات في سورية واليمن.

خروج الحراك عن السيطرة

شهد الحراك الإيراني منحنى جديدا، من خلال دخول العمال التجمعات الاحتجاجية، وذلك احتجاجا على تأخر رواتبهم لنحو ستة أشهر، والذي تسببت به السياسات الاقتصادية السلبية للحكومية، وأدت إلى إشهار إفلاس خطوط إنتاج شركات كبرى مثل "أرج"، و"بارس خزر"، و"بارس إلكترونيك" وغيرها.

كما خرج تجار أكبر الأسواق الإيرانية في طهران متظاهرين ومضربين عن العمل، إذ أغلق "البازار الكبير" الكبير أبوابه للمرة الأولى منذ نحو 40 عاما احتجاجا على انهيار الريال الإيراني، وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية "فارس"، فقد اندلعت احتجاجات التجار عقب تراجع الريال الإيراني إلى 90 ألفا مقابل الدولار في السوق السوداء.

وفي سياق منفصل، خرج آلاف الإيرانيين للاحتجاج على سوء وضع المياه وتلوثها وشحها، وهذا ما دفع عبدالحمید خدیری نائب البرلمان عن بوشهر في تصريح صحافي "مجتمعنا يتعرض للانهيار، كنا نسمع عن الحرب، والآن نبصرها بأعيننا، فسكان المناطق المتجاورة يتصارعون ويتخاصمون على المياه".

وأضاف "من المؤسف أن الدول العربية المجاورة في الخليج تغلبت منذ سنوات على مشكلة نقص المياه وتقوم بتحلية مياه الشرب رغم أنها أقاليم شديدة الجفاف بالمقارنة معنا".

كشف حساب 

وفي ظل الأزمة التي تعيشها إيران، رفضت الخارجية الأمريكية موافقة الرئيس روحاني طلبه بمفاوضتهم بشكل غير مباشر من خلال، انتقادها سوء استغلال السلطات الإيرانية لموارد البلاد، وتدخلاتها في عدد من نزاعات المنطقة، التي نتج عنها دمار اليمن، وسورية والعراق وتهديد الآمنين في الخليج العربي عموما والسعودية خصوصا، إذ تورطت بدعم الإرهابيين من جماعة الحوثي بالصواريخ البالستية التي تطلقها بشكل مستمر على المملكة متجاهلة الحرمة الدينية وقداسة مكة المكرمة باستهدافها بالصواريخ.

وقالت الخارجية في بيان، إن "الحكومة الإيرانية تبدد موارد شعبها، سواء من خلال مغامراتها في سورية أو طموحاتها في تطوير برنامجها النووي، وكما قلنا من قبل، يجب ألا يفاجأ أحد بأن الاحتجاجات مستمرة في إيران".

وشدد البيان على أن "الشعب الإيراني يطالب بعدم هدر ثرواته وتوزيعها بشكل عادل وأن يستجيب القادة الإيرانيون لمطالبهم المشروعة"، كما أدان البيان "أساليب السلطات الإيرانية التي تعتمد على القمع وسجن المتظاهرين وحرمانهم من حقوقهم"، خاتمة بيانها "لقد تعب الشعب الإيراني من الفساد والظلم وعدم كفاءة قادتهم، العالم يسمع صوت شعب إيران".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية