الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بعد سنوات من مبادرات خفض التكاليف وخفض الديون التي لا هوادة فيها، عادت شركات التعدين الكبرى إلى الإنفاق مرة أخرى.

من أستراليا إلى بيرو، شهد الشهر الماضي التوقيع على حفنة من المشاريع الجديدة ومجموعة من أنشطة صفقات الاندماج والاستحواذ.

لكن مع الندوب والجروح التي نشأت بفعل الركود الأخير، الذي وصل إلى أدنى مستوياته في أوائل عام 2016، على الصناعة كي تلتئم جراحها بشكل كامل، اتخذت نهجاً أكثر انضباطاً تجاه النمو والاستثمار، مع مراعاة الحاجة إلى رفع عائدات المساهمين، وإثبات أن الشركات هي مدبر مسؤول لرأس المال، وأن تحسن تصنيفاتها المتدنية في البورصة.

خلال طفرة السلع الأساسية التي كانت تقودها الصين، أنفق قطاع التعدين بسخاء مبالغ فيه وصل إلى تريليون دولار على النفقات الرأسمالية، ومع ذلك ناضل لتحقيق عوائد إيجابية، وهو أمر بقي عالقا في أذهان المستثمرين وفرق الإدارة.

نتيجة لذلك، تسعى شركات المناجم إلى فعل الأشياء بشكل مختلف، من خلال توظيف شركاء لديهم أموال كثيرة للمشاركة في تكاليف تطوير مشاريع جديدة. كما أنها تتجنب صفقات الماضي الضخمة، التي أدت إلى مليارات الدولارات من الخسائر الناتجة عن الجوانب السلبية، للتركيز على أهداف أصغر من النوع الذي تتمتع فيه الشركات بقدرة أكبر على استيعابه.

قال إيفي هامبرو، كبير إداريي الاستثمار في الأسهم للموارد الطبيعية في شركة بلاك روك: "لا أعتقد أننا نشهد طفرة في الصناعة. كل شركة تتبع الاستراتيجية الخاصة بها، لكن الأهم من ذلك هو أنها تظل ضمن معايير متحفظة ومنضبطة".

وتابع: "بالنسبة لي هذا أمر مشجع للغاية. كان يمكننا بسهولة أن نشهد عودة إلى الأيام القديمة السيئة من الإنفاق المفرط، لكن الشركات تكسب كثيرا من المال الآن، ويتم إصلاح الميزانيات العمومية، ويطالب المساهمون الجدد بالنمو"، مضيفا: "يسعدني أن الشركات أوفت بالتزامها بالنمو في القيمة بدلاً من النمو من أجل ذاته".

وتقدر شركة برايس ووترهاوس كوبرز، أن إجمالي الإنفاق الرأسمالي من أكبر 40 شركة تعدين في العالم بلغ 48 مليار دولار فقط العام الماضي، وهو الأدنى منذ عام 2006، مع استخدام معظم الأموال في استمرار العمليات. واقتصرت المشاريع الجديدة التي تزيد قيمتها على 500 مليون دولار على مشروعين لتطوير النحاس.

في المقابل، أعادت شركات التعدين الكبيرة 43 مليار دولار للمساهمين من خلال توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم، وخفّضت المديونية 25 مليار دولار إضافية.

لكن مع توقع أن تولد الصناعة نحو 70 مليار دولار من التدفق النقدي الحر هذا العام بفضل ارتفاع أسعار السلع، جددت شركات التعدين الكبرى الحرية المالية للاستثمار، حسبما قال محللون.

قال كولن هاملتون، رئيس قسم أبحاث السلع في BMO لأسواق المال: "شركات التعدين الكبرى تكسب كثيرا من المال فوق الحد، ولم تعد تنمو من حيث الحجم أو الأهمية، هذه هي المشكلة، وهي تحاول الآن حل مشكلة النمو هذه، لكنها لا تنفق بقوة".

هذا الشهر قالت شركة فال Vale البرازيلية، إنها ستمضي قدما في مشروع توسيع منجم Voisey’s Bay الموجود تحت الأرض، وهو واحد من أكبر مشاريع النيكل في العالم، بتكلفة 1.7 مليار دولار. وبدا مستقبل هذا المنجم يحوطه اللبس عندما أمر فابيو شفارتسمان، الرئيس التنفيذي لشركة فال، بمراجعة المشروع بعد فترة وجيزة من توليه القيادة في آذار (مارس) 2017.

وتم الآن التوقيع على التوسع بعد أن جمعت شركة فال 700 مليون دولار هذا الشهر من خلال بيع إنتاج الكوبالت المستقبلي، الذي يتم إنتاجه إلى جانب النيكل. وقالت الشركة إن الصفقة غيرت وجه اقتصاديات المشروع، الذي أصبح قادرا الآن على توليد عائد جيد بأسعار النيكل الحالية.

وتساءل نيل جريجسون، وهو مدير محفظة في شركة جيه بي مورجان لإدارة الأصول: "هل حان الوقت للاحتفال في هذا القطاع مرة أخرى؟ الجواب لا. إنها مجرد أعمال عادية. شركات التعدين تستنزف الأصول (...) يجب أن يكون لديك شيء ما في الطريق لاستبدالها".

واتخذت شركة أنجلو أمريكان المدرجة في المملكة المتحدة نهجًا أكثر تحفظًا في تطوير مشروع كويلافكو للنحاس في بيرو الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف طن سنويا.

وبدلاً من تحمل تكلفة التطوير البالغة ستة مليارات دولار، كان مارك كوتيفاني، الرئيس التنفيذي لشركة أنجلو، يبحث عن شريك للمساعدة في تقاسم العبء، وتقدمت كويلافكو فقط إلى مجلس إدارة أنجلو للحصول على الموافقة النهائية.

وقالت شركة أنجلو هذا الشهر إنها استطاعت تأمين استثمار بقيمة 850 مليون دولار من شركة ميتسوبيشي اليابانية، وهي شريك طويل الأمد وافقت أيضا على تمويل 40 في المائة من تكاليف تطوير المنجم.

وقال نيك ستانزبيري، وهو مدير في "ليجال آند جنرال إنفيستمنت مانيجمنت": "بالنظر إلى حالة الميزانية العمومية للصناعة، لا أعتقد أنها دلالة على ضعف الانضباط حين نرى الشركات تبدأ في تطوير بعض أفضل مشاريع النحاس الجديدة الموجودة لديها".

واعتبر أن النهج الذي اتخذته أنجلو "لتخفيف المخاطر" في مشروعها الجديد معقول للغاية، وهو على النقيض من الطريقة التي طورت بها منجم ميناس ريو الضخم لخام الحديد في البرازيل.

بعد دفع مبالغ فوق الحد للمشروع، شرعت شركة أنجلو في تطوير المشروع بمفردها، ما قلل من تكاليفه وتعقيده. وفي نهاية المطاف بدأ المنجم العمل عام 2014، متأخرا سنوات متجاوزا الميزانية المقررة بمليارات الدولارات.

وقال كوتيفاني: "إشراك الآخرين معنا بـ 40 في المائة في مشروع بمليارات الدولارات مثل كويلافكو هو خيار استراتيجي، على نحوٍ يسمح لنا بالحفاظ على المرونة في الميزانية العمومية، ومتابعة خيارات استثمار أخرى (...) وتخفيف أي مخاطر متبقية".

وأضاف: "هذا الأنموذج ناجح إلى حد كبير في صناعة النفط منذ وقت طويل، وأخذنا العبر في التعدين من بعض الاستثمارات الخرقاء بـ 100 في المائة التي وضعت ضغوطاً غير ضرورية على الشركة".

وامتدت طفرة الاستثمار في التعدين إلى أستراليا، حيث أعلنت كل من "بي إتش بي بيليتون" BHP Billiton و"فورتسكيو ميتالز"Fortescue Metals عن مشاريع جديدة لخام الحديد.

وسيكون مشروع ساوث فلانك التابع لـ "بي إتش بي"، الذي تبلغ تكلفته 2.9 مليار دولار، أكبر منجم لخام الحديد على الإطلاق في أستراليا، لكن المنجم الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 80 مليون طن سنوياً لن يضيف مزيدا من مكونات صناعة الصلب إلى سوق تتوافر فيها أصلا إمدادات كبيرة؛ لأنه يحل محل خامات وصلت إلى نهاية حياتها.

قال بول جيت، المحلل في شركة بيرنشتاين للأبحاث: "هل تستثمر شركات التعدين من أجل النمو في الوقت الحالي؟ الجواب لا. معظم ما نشهده من باب الاستثمار هو استبدال أو تمديدات لحياة المناجم".

لكن هناك بعض الاستثناءات. فقد اندلعت معركة عروض تشارك فيها "فورتسكيو" وجينا راينهارت، رئيسة مجلس إدارة "هانكوك برسبيكتينج" التي تعد أغنى امرأة في أستراليا، من أجل الاستحواذ على "أطلس أيرون"، وهي شركة تعدين صغيرة لخام الحديد، في حين قدمت South32 عرضًا نقديًا بقيمة 1.3 مليار دولار من أجل شركة أريزونا للتعدين، وهي شركة استكشاف كندية صغيرة تعكف على تطوير ما يمكن أن يتبين أنه رواسب نيكل من المستوى الممتاز.

لكن هذه الصفقات صغيرة ولن تكلف مبالغ فوق الحد. غير أن هاملتون، من شركة BMO، يتوقع بحلول عام 2020 أن تكون هناك زيادة في الإنفاق الرأسمالي 25 في المائة عن المستويات الحالية، بالنظر إلى المخاوف المتزايدة بشأن انخفاض أوضاع الإنتاج في جميع أنحاء الصناعة، لكنه يتوقع أن تحافظ شركات التعدين الكبرى على نهجها الأكثر انضباطًا من حيث الإنفاق، لكن بالنسبة للآخرين تبقى هناك بعض الشكوك.

قال ستانزبيري، من "ليجال آند جنرال": "من السهل جداً التحدث عن الانضباط في جانب العرض في أعقاب سوق هابطة. الاختبار الحقيقي سيكون ما سيتبين خلال السنتين إلى الثلاث المقبلة".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية