إن العنوان الأبرز الذي يمكن وصف السوق النفطية به اليوم هو الثقة بين كبار المنتجين، هذه الثقة التي لم يشهدها اقتصاد النفط من قبل تحتاج منا إلى فهم أعمق، فقد جاءت بعد جهود كبيرة بذلتها المملكة داخل "أوبك" وخارجها بعد أن وصلت أسعار النفط إلى حدود 30 دولارا. في ذلك الحين كان الحل يبدو مستحيلا، ذلك أن المشكلات في السوق النفطية أكبر بكثير من قدرة "أوبك" وحدها مهما كان حجم إنتاجها، وحجم التخفيضات التي ستقوم بها، ولهذا جاء الاتفاق التاريخي في عام 2016 بين دول "أوبك" والدول من خارج "أوبك"، ووضع كبار المنتجين رهانهم عليه، لكن الاتفاق التاريخي لم يكن يحقق النتائج المرجوة منه لولا تلك الزيارات التاريخية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين لدول عدة من بينها روسيا، هذه الزيارات التي أعادت السوق إلى مشهدها اليوم، "سوق تتسم بالثقة".
هذه الثقة التي لم تكن بين المنتجين في "أوبك" فقط ولا حتى بين المنتجين من "أوبك" ومن خارجها بل ثقة بين المنتجين وبين المستهلكين في آن معا، لقد كانت الثقة التي منحها المستهلكون في ذلك الاتفاق التاريخي أهمية لا تقل عن ثقة المنتجين أنفسهم، فلم تتم ممارسة ضغوط سياسية كبيرة من أجل منع ذلك الاتفاق التاريخي من التطبيق. ولأن الثقة هي سيدة الموقف اليوم ولأن المنتجين أصبحوا أكثر إدراكا لهذه المعاني كما يوضح تقرير منظمة أوبك فقد عادت الكرة إلى ملعبهم اليوم ليس من أجل تحقيق مصالحهم فقط بل حتى من أجل مصالح المستهلكين والاقتصاد العالمي، وها هي المملكة مرة أخرى تقوم بدورها في ذلك.
ففي الأيام الماضية توالت الاجتماعات بين السعودية وروسيا والإمارات من أجل دراسة وتقييم فكرة تخفيف تخفيضات الإنتاج الحالية ومعالجة التراجعات الحادة في المعروض، وبروز أزمة إيران من جديد، وقد ركزت المباحثات على أمرين معا الأول هو زيادة الإنتاج بنحو مليون برميل يوميا، وكذلك تخفيف القيود تدريجيا، وقد جاءت ردة فعل الأسواق سريعة الاستجابة وانخفضت في نهاية الأسبوع الماضي، وهذه الاستجابة تدل على حجم الثقة التي يجدها المنتجون في العالم.
لعل هناك عدة أمور منحت الدول المنتجة كل هذه الثقة، أولها كما أشرنا إليه هو الزيارات المهمة والاستراتيجية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين، وثانيها كانت الحوكمة الاقتصادية التي انتهجتها دول الاتفاقية وتضمنت إجراءات رقابية وفنية واجتماعات وزارية متواصلة. فالإجراءات الرقابية تضمنت تشكيل لجنة وزارية معنية بمراقبة اتفاق خفض الإنتاج، التي ترفع تقاريرها بشكل دوري للدول المنتجة لمراقبة مدى الالتزام، والجانب الفني تابعته اللجنة الفنية التي ترفع تقارير اقتصادية وفنية عن الأسواق وحالة المخزونات بشكل دوري للجنة الرقابية، وهذه في مجملها أدوات حوكمة اقتصادية جريئة اتفقت عليها الدول المنتجة وهي تؤكد أن الحوكمة الاقتصادية قادرة على توجيه القرار من أجل تحقيق المصالح المشتركة.
وبينما كانت أدوات الحوكمة الاقتصادية تعمل من أجل تحسين أسعار النفط ومواجهة مشكلة ارتفاع المخزونات وهذا مما يصب في مصلحة المنتجين، ها هي الآن تعمل من أجل تحقيق مصالح المستهلكين وتوجه قرار الدول المنتجة نحو ذلك، فالمباحثات التي تمت بين المملكة والإمارات وروسيا كانت من أجل تخفيف التخفيضات، وجاءت بناء على ما بحثته لجنة المراقبة وتقارير اللجنة الفنية، وأن هناك قلقا متزايدا على المعروض النفطي في السوق، وهو ما أعربت عنه بعض الدول المستوردة والمستهلكة للنفط الخام حيث تخوفت من حدوث نقص محتمل في سوق النفط العالمية، ولأن اتفاق الجزائر أصبح معنيا بأمن إمدادات الطاقة وهذا ما منحه الثقة العالمية، لهذا جاءت التوجهات اليوم لتأكيد التزام الدول المشاركة باستقرار السوق وأمن الطاقة في الاقتصاد العالمي، وأن رفع مستويات الإنتاج قادم إلى الأسواق. وهنا نشير إلى تقرير منظمة أوبك الذي أكد على المحادثات والتبادلات الأخيرة بين أصحاب المصلحة وأنه يجب على المنتجين عدم التصرف في عزلة والبحث بدلا من ذلك عن طرق للعمل معا في قضايا مشتركة لافتا إلى أن المشكلات الجماعية تحتاج إلى استجابات جماعية.
وأبرز تأكيد باركيندو أنه يجب على المنتجين أيضا توسيع نطاق الحوار والتعاون الدولي القوي وإضفاء الطابع المؤسسي عليه إذا كانوا يأملون في التصدي بفعالية للتحديات العالمية الكبرى المتعلقة بتغير المناخ والبيئة والتنمية المستدامة وفقر الطاقة.
