السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إيطاليا ليست اليونان، لكن ليست جميع الاختلافات مشجعة؛ فاقتصادها أكبر عشر مرات، وديونها العامة البالغة 2.3 تريليون يورو أكبر سبع مرات، وهي الأكبر في منطقة اليورو ورابع أكبر نسبة في العالم. إيطاليا أيضا كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها الفشل، وربما كبيرة فوق الحد على نحو لا يمكن معه إنقاذها. السؤال هنا هو ما إذا كانت حكومتها الجديدة ستتسبب في إثارة أزمة من هذا القبيل، وإن حصل ذلك، فما العواقب المترتبة؟

حتى الآن، تشعر الأسواق بقليل من التوتر فقط. يوم الإثنين كانت نسبة عائدات سندات الحكومة الإيطالية لأجل 30 عاما أعلى من المستويات الألمانية بواقع 220 نقطة أساس، مع نسبة عائدات بلغت 3.4 في المائة، وهذا أقل بكثير من مستويات الذروة التي وصلت إلى 467 نقطة أساس مع عائدات عند 7.7 في المائة عام 2011. مع الأسف، يمكن أن تسوء الأوضاع أكثر.

وفقا للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، باستثناء اليونان، حس "التلاحم" بين الأفراد والاتحاد الأوروبي في أي دولة عضو في الاتحاد لم ينخفض بشكل حاد مثلما انخفض في إيطاليا بين عامي 2007 و2017. مع حلول عام الأخير تراجعت بحسب ذلك المعيار إلى المرتبة الـ23 بين البلدان الأعضاء الـ 28.

وهذا لا يعزى فقط إلى الأزمة الاقتصادية. فبين عام 1997، عندما تم إطلاق منطقة اليورو، وعام 2017 ارتفعت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في إيطاليا 3 في المائة - أداء أسوأ من أداء اليونان. ويشعر الإيطاليون أيضا بأنهم إلى حد كبير تُرِكوا وشأنهم من حيث التكيف مع مسألة الهجرة.

باختصار، يشعر كثير من الإيطاليين بأنهم شبه منفصلين عن الاتحاد الأوروبي، ويشعرون أيضا بازدراء للمؤسسة السياسية الإيطالية. ولهذا السبب حظيت حكومة الشعبويين اليساريين واليمينيين غير المتماسكة فكريا بالسلطة. اليساريون أقوى في الجنوب، واليمنيون أقوى في الشمال - وهو انقسام تفسره الاختلافات الاقتصادية الإقليمية الحادة.

هذه الفوضى هي خطأ كل من إيطاليا والاتحاد الأوروبي. الأخير فشل في تحقيق معدل التضخم المستهدف أو تحقيق طلب كاف. وهذا جعل من الصعب تحقيق التعديلات اللازمة في فترة ما بعد الأزمة في مجال القدرة التنافسية. رفض ألمانيا الاعتراف بأن هذه مشكلات تتطلب الحل أدى إلى تعقيد الأمور. لكن الإيطاليين فشلوا أيضا في تفهم ضرورة إجراء إصلاحات مؤسسية واقتصادية جذرية إن كانت إيطاليا تريد الازدهار، خاصة في اتحاد عملة مع ألمانيا.

ربما يكون قد فات الأوان. دوامة الشعبوية تتضمن: ناخبين مستاءين، ووعودا غير مسؤولة، ونتائج سيئة، وحتى ناخبين أكثر استياء، ووعودا لا تزال غير مسؤولة بشكل أكبر، ونتائج أسوأ. القصة لم تنته بعد. ربما تكون قد بدأت للتو.

البرنامج المشترك من "حركة خمس نجوم" وحزب رابطة الشمال يحوي ما يكفي لإثارة صراع مع الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو: ارتفاعا في الإنفاق، وانخفاضا في الضرائب، واعتداءات على القواعد النقدية والمالية العامة في منطقة اليورو. برونو لو مير، وزير المالية الفرنسي، دق ناقوس الخطر منذ فترة. ماتيو سالفيني، الزعيم المتشدد لرابطة الشمال، رد بسرعة قائلا: "أنا لا أطلب أصواتا انتخابية لمواصلة مسار الفقر وعدم الاستقرار والهجرة: الإيطاليون أولا".

الافتراض الذي يدل على التهاون هو أن الدائنين ستكون لهم الغلبة. إذا كانت الحكومة الجديدة ستنتهك القواعد، فإن البنك المركزي الأوروبي لن يستطيع مساعدتها. وفي أي صدام، حالة عدم الاستقرار المالي ستعمل على تركيع الإيطاليين، لكن هذا صحيح فقط لو كان الإيطاليون غير راغبين في استخدام السلاح المدمر المتمثل في إشهار الإفلاس. يمتلك السكان غير المقيمين 686 مليار يورو من سندات الحكومة الإيطالية (36 في المائة) في نهاية عام 2017. علاوة على ذلك، في آذار (مارس) 2018، كان البنك المركزي الإيطالي مدينا لعدد من الشركاء - أهمهم البنك المركزي الألماني - بمبلغ إضافي مقداره 443 مليار يورو في نظام "تارجت 2". اليوم، تتجاوز مراكز الدائنين والمدينين داخل النظام الأوروبي للبنوك المركزية حجمها خلال الأزمة عام 2012.

إن كانت إيطاليا ستتعرض للانهيار والإفلاس، يمكن أن تكون الأضرار ضخمة. لكن حتى هذا يتجاهل التأثير الاقتصادي الأوسع نطاقا، ناهيك عن التأثير السياسي. سيكون التنمر على إيطاليا أصعب منه على اليونان؛ لأن من الواضح إلى حد كبير أن خروج إيطاليا من منطقة اليورو فكرة أكثر خطورة بكثير من خروج اليونان.

إذن ماذا يمكن أن يحصل؟ أحد الاحتمالات هو أن جيوسيبي كونتي، رئيس الوزراء المقترح، سيقود حكومة تقليدية. بدلا من ذلك، ستتراجع الحكومة مع أول نفحة بارود. لكن من الممكن أيضا أن تستمر في تطبيق سياساتها، ما يؤدي إلى استثارة عمليات بيع كبيرة للسندات الإيطالية وتدافع على سحب الأرصدة من المصارف الإيطالية. من دون دعم البنك المركزي الأوروبي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى فرض قيود على إمكانية تحويل الأموال المصرفية إلى خارج البلاد، أو على عملية تحويلها إلى نقدية. وهذا من شأنه عمليا أن يجعل إيطاليا تخرج من منطقة اليورو.

هذا سيكون أزمة مروعة. فهل ستتراجع الحكومة حينئذ؟ مرة أخرى، ربما تفعل ذلك. لكن الأضرار التي تلحق بالثقة ربما تحتاج سنوات لإزالتها. سيخسر الاقتصاد الإيطالي زخمه المحدود ويتخذ مسارا معاكسا. هروب رأس المال، والناس، والشركات يمكن أن يكون مدمرا. لكل ذلك، ربما تتمخض انتخابات أخرى عن ظهور حكومة أكثر تطرفا، أو في أسوأ الحالات، ربما يتم التشكيك في وحدة إيطاليا.

هل يمكن إبقاء أزمة إيطالية طويلة الأمد محصورة في هذا البلد وحده؟ مرة أخرى، ربما يمكن ذلك. لكن في حال وجود أزمة خطيرة، ربما تتأثر بلدان أخرى. لاحظ أن إسبانيا أيضا تعاني ديونا متزايدة ضمن نظام "تارجت 2" من البنك المركزي الأوروبي. والضغط المفروض على منطقة اليورو يمكن أن يصبح كبيرا: إما الإصلاح وإما الفناء.

في عام 1991، جادلتُ لمصلحة الاتحاد النقدي، وقلتُ ما يلي: "الجهود المبذولة لربط الدول معا ربما تؤدي، بدلا من ذلك، إلى حدوث زيادة كبيرة في عوامل الاحتكاك فيما بينها. إن حصل ذلك، يمكن أن ينطبق على الوضع التعريف التقليدي للمأساة: الغطرسة والحماقة والدمار".

يلقي كثير من الإيطاليين اللوم على أوروبا لتسببها في محنتهم. ربما يكون هذا أمرا غير عادل، لكنه أمر لا مفر منه؛ لأن كثيرا من القرارات التي تؤثر فيهم الآن يجري اتخاذها في أوروبا. ومحاولة التملص من القيود المفروضة، التي صوتوا لأجلها الآن، يبدو من المؤكد أنها محاولات فاشلة. لكن هذا لن يسهم في حل الأزمة. بل يمكن أن يجعل الأمور أسوأ على المدى الطويل. وإلى أن تستعيد إيطاليا رخاءها، سياستها ومكانتها في أوروبا ستبقيان هشتين. ويمكن لأي شيء أن يحدث.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية