اعتاد حمادي ديالو كسب قوت يومه من خلال عمله كمزارع بسيط في مراعٍ قليلة الأشجار في شمالي السنغال، حيث كان يؤدي عملا شاقا في قطعة أرض صغيرة جدا دون أي مساعدة، منذ أن كان في سن السابعة.
نادرا ما يساعده ابنه الذي يعمل بدلا من ذلك عبر جهاز حاسوب لإدارة عمليات مزرعة الأرز التي تملكها الأسرة والآخذة في الازدهار الآن، والتي حققت العام الماضي حجم مبيعات وصل إلى مليوني دولار.
يقول بابا، الابن البالغ من العمر 34 عاما، الذي حققت أرضه التي تصل مساحتها إلى ألفي هكتار - بالقرب من بلدة ثياجار بالقرب من حدود موريتانيا - نموا بلغ عشرة أضعاف خلال عقد واحد: "أصبح الأرز مكسبا تجاريا. وهذا يؤدي إلى إحداث تغيير في حياتنا".
نجاح عائلة ديالو بمنزلة رمز للتحول الحاصل في قطاع الأرز في السنغال.
دائما ما كانت السنغال تستورد معظم كميات الأرز التي تحتاجها، وهو المحصول الأكثر أهمية في النظام الغذائي لهذا البلد الواقع غرب قارة إفريقيا.
على أن الجهود المنظمة التي بذلتها الحكومة في داكار والهادفة إلى تطوير زراعة الأرز، بمساعدة منظمات المساعدات الدولية، وحصول طفرة في الإقراض المحلي لصغار الزراع ساعد على ارتفاع الإنتاج إلى الضعف منذ عام 2014 ليصل إلى نحو مليون طن العام الماضي، ما يعادل نحو 40 في المائة من الاستهلاك السنوي.
الاكتفاء الذاتي الزراعي أحد أركان الخطة التي وضعتها الحكومة لعشرين عاماً، والهادفة إلى تغيير طبيعة الاقتصاد السنغالي. يقول خبراء التنمية إن التقدم الذي أحرزته السنغال حتى الآن يقدم دروسا مهمة بالنسبة لقارة تستورد غذاءً تصل قيمته إلى نحو 40 مليار دولار سنويا.
يقول عثمان سيني، رئيس مركز البحوث الخاصة بغرب إفريقيا في داكار: "إنتاج الأرز آخذ في الازدياد يوميا. ترغب السنغال في تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ لأن ذلك سيعمل على توفير الوظائف" وكذلك خفض الأسعار.
تعاني إفريقيا منذ فترة طويلة نقصا في التنمية الزراعية، وقضية الاكتفاء الذاتي ستكون مسألة مهمة بالنسبة لمستقبل القارة الاقتصادي، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تلبية احتياجات أعداد السكان التي تنمو بشكل سريع.
عمل حمادي، الذي يبلغ من العمر 89 عاما الآن، في أرضه الجافة بيديه مع والده على مدى عقود لإنتاج البطاطا والدخن والذرة الصفراء لكسب قوت عائلته.
عقب إعلان استقلال السنغال عن فرنسا عام 1960، قام بتشكيل جمعية تعاونية لزراعة الأرز، وكان يتعين عليها بيع كل الحبوب لديها إلى مطاحن تملكها الدولة.
في أواخر الثمانينيات، نقل كل أعماله إلى أبنائه، وفي السنوات التي تلت ذلك تمت خصخصة النظام.
غير أن الأعوام القليلة الماضية هي التي شهدت بالفعل تحولا كبيرا في زراعة الأرز، مع تخصيص الحكومة موارد خاصة بهدف تطوير الأراضي المروية، بدلا من تقديم الأموال إلى صناديق الإعانات الخاصة بالمَزارع.
قال حمادي: "يمتلك الجيل الجديد حرية أكبر بكثير تمكنه من فعل ما يريد على أرضه"، مضيفا أنها أصبحت "أكثر ازدهارا" نتيجة لذلك.
يتسع نطاق الأعمال الخاصة بأسرة ديالو ليتجاوز نطاق الزراعة البسيطة. يجري إحضار أكياس فارغة مطبوع عليها شعار الشركة من آسيا ليتم ملؤها بالأرز الذي تم طحنه وتجهيزه، غالبا من خلال التعاقد مع مزارعين، باستخدام آلات يتم استئجارها من قبل شركة بابا للمعدات، وتوريدها من الشركات الصينية التي يعمل وكيلا لها.
في الجوار، فإن المنافس التجاري الرئيس لعائلة ديالو هو الجار إيبا سال، الذي يعمل أيضا على إنتاج وشراء وتخزين وطحن وتسويق الأرز، في حين يعمل أيضا كمقرض للزراع.
قال سال إنه في الوقت الذي كثيرا ما كافح فيه لمواكبة الطلب، كانت هنالك مشكلة مع المستوردين الأجانب الكبار الذين يتجاهلون التوجيهات الحكومية التي تقضي بشراء الأرز المحلي.
قال سال، الذي يمتلك مئات الأطنان من الأرز ذي الحبة الطويلة المتبقي من موسم الحصاد: "تستطيع الحكومة زيادة مشاركتها في إدارة الواردات. إن ألقت بثقلها في هذا الشأن، يمكن أن يباع ذلك الأرز".
وفي حين حقق الزراع من أصحاب المشاريع بعض النجاح، لا يزال معظم أصحاب المقتنيات صغيرة الحجم يعانون في واحدة من المناطق الأكثر فقرا والأكثر بعدا في العالم.
يترأس أداما جوي، الذي يبلغ من العمر 60 عاما، مجموعة تمثل نحو 200 مزارع صغير، حياتهم أشبه ما تكون بالحياة التي عاشها حمادي في صغره.
وقال: "أحيانا، نحصل على محاصيل قليلة، وعندما نقوم بحساب التكاليف، نجد أن من الصعب تسديد القروض المترتبة علينا، والحصول على أرز لعائلاتنا وللبيع. بالنسبة للمنتجين، لم يتغير في الحقيقة أي شيء".
لا يمكن قول الشيء نفسه حول مشهد المنطقة المزروعة بالأرز في السنغال التي تقع في منطقة الساحل، فالحزام الضيق شبه القاحل الذي يمتد عبر إفريقيا، يفصل الصحراء الكبرى عن مناطق السافانا في الظهير القاري.
ظهرت حقول الأرز المعشبة في السنوات الأخيرة على طول وادي نهر السنغال الذي كان منطقة جرداء إلى حد كبير، بمساعدة اثنين من مشاريع المساعدات التي تقودها الولايات المتحدة.
أنفقت شركة تحدي الألفية مبلغ 471 مليون دولار لتطوير آلاف الهكتارات من الأراضي المروية، وتعبيد 120 كيلومترا من الطريق الرئيس عبر الوادي.
قامت الوكالة الأمريكية للإنماء بتدريب قادة الجمعيات التعاونية الذين يمثلون عشرات الآلاف من المزارعين بهدف رفع نوعية الرز، وعملت الوكالة مع بنك كريديه أجريكول، أي المصرف الزراعي الوطني الذي تملك فيه الحكومة 25 في المائة، لإيجاد آليات مالية خاصة بزراع الأرز.
قال مالك نديا، العضو المنتدب، إنه حتى وقت متأخر يصل إلى عام 2015، كان يمكن أن يصاب معظم الزراع وأصحاب المطاحن بالإعسار.
إلا أن تسهيلات الائتمان الجديدة مقترنة بالأرز ذي الجودة الأعلى، ومزيد من الأراضي المروية، وممارسات زراعية أفضل، عملت على خفض حالات الإعسار بشكل عجيب. ارتفعت قيمة دفتر القروض إلى زراع الأرز من المصرف من 3.8 مليار فرنك سنغالي (سبعة ملايين دولار) عام 2012 إلى 10.3 مليار فرنك عام 2017. كما ارتفع بالمثل الإقراض المقدم لتمويل شراء جرارات زراعية.
قال السير جوردون كونواي، أستاذ التنمية الدولية في كلية إمبريال في لندن، الذي زار أخيراً المنطقة، إن النهج الذي تتبناه السنغال قوي بصفة خاصة؛ لأن الزراع، بمن فيهم الجمعيات التعاونية الخاصة بالنساء، كان قد تم إدخالهم ضمن النظام، وتم تشجيع غرائزهم من حيث روح المشاريع.
كما قال إن من الصعب "نقل الإثارة" التي شعر بها عندما شاهد مباشرة الطريقة التي كان يتم من خلالها تطوير زراعة الأرز في السنغال. وقال: "هذا شيء لم أشهده من قبل في إفريقيا. لا أظن أن هذا سيفشل".

