مر يوم الثلاثاء الماضي؛ 8 أيار (مايو)، عصيبا في عواصم القرار الأوروبي والعالمي، بعدما قرّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إهالة التراب على الحدث الدبلوماسي الأبرز في عهد سلفه باراك أوباما، والخروج من اتفاق "خمسة زائد واحد" بشأن الملف النووي الإيراني. مسددا بذلك ضربة قاضية لجهود أوروبا الدبلوماسية، ومصالحها الاقتصادية في نفس الوقت.
إن الانسحاب الأمريكي يعني موضوعيا انهيار الاتفاق، باعتبار أن الولايات المتحدة تمثل الطرف الأساسي بالنسبة لإيران في هذا الاتفاق. وإذا صح التعبير؛ فإن الاتفاق كان أساسا بين الجانبين دون غيرهما، ثم إن إعادة واشنطن فرض العقوبات المرفوعة بموجب الاتفاق تعني بالحرف الواحد انهيار أحد العمودين اللذين بُني عليهما؛ أي رفع العقوبات.
أعاد قرار ترامب كل شيء بشأن علاقات إيران مع الغرب إلى المربع الأول، مع إضفاء طابع التعقيد والتشابك على الأمور، لأنه بذلك يضع العلاقات الأمريكية الأوروبية على المحك، مع إعلان قادة الدول الأوروبية وروسيا والصين تقيدهم بالاتفاق الموقع بين الأطراف في 14 تموز (يوليو) 2015 بفيينا، بعد سلسلة من المفاوضات المعقدة والطويلة.
ارتباك دبلوماسي إيراني
ما إن تأكد رسميا الموقف الأمريكي الجديد بشأن الاتفاق النووي، حتى بدا الارتباك واضحا على صناع القرار في طهران، بعدما تيقنوا أن لائحة جديدة من العقوبات قادمة في غضون الأشهر الستة المقبلة. وأن الفترة القادمة ستكون حبلى بأنواع جديدة من العقوبات بصورة غير مسبوقة، من حيث صرامتها والقطاعات التي ستشملها.
ففي الوقت الذي التزم فيه الرئيس روحاني بقواعد السياسي المدرك لتكلفة الحرب الكلامية؛ على الشعب الذي ضاق ذرعا من السنوات العجاف التي مرت عليه بسبب العقوبات، حين أعلن انتظار إيران للمواقف الأوروبية والروسية والصين، لترى مدى مقدرتها على الاستمرار في الاتفاق في إطار حماية المصالح الإيرانية. قبل أن يضيف في ذات السياق، بأن الاتفاق ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع مجموعة من الدول، وهو بالتالي ليس ملكا لأمريكا لتقرر مصيره.
على النقيض من ذلك، لم يتردد وزير الخارجية الإيراني في اللجوء إلى لغة التهديد، حين قال "إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق، وأعادت العقوبات التي رفعتها عن إيران مرة أخرى، سيكون بإمكان طهران استئناف برنامجها النووي بمعدل أسرع بكثير".
موقف ليس بالجديد، فقد سبق للمرشد الأعلى علي خامنئي، أن أعلن عنه في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، حين قال "إن طهران ستلتزم بالاتفاق مع القوى العالمية، ما دامت هذه ملتزمة به، لكنها "ستمزقه" إذا انسحبت الولايات المتحدة منه، وأن إيران مصمّمة على مواصلة برنامج الصواريخ الباليستية المثير للخلاف".
يزداد هذا الارتباك لدى رموز النظام في طهران، بعدما تبين لهم أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى وضع العواصم الكبرى في العالم بين خيارين لا ثالث لها؛ إما واشنطن وإما طهران.
أوروبا مخيرة بين إيران وأمريكا
تسارعت في الآونة الأخيرة الجهود الأوروبية الساعية لتعديل الاتفاق بدلا من إلغائه، قبل أن يسبق ترامب مساعي الأوروبيين لمحاولة تحسين الاتفاق، معلنا انسحاب بلاده؛ حيث كان كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا قد أقرّوا بضرورة بلورة اتفاق جديد، وضرورة إضافة بنود جديدة، تتعلق تحديدا ببرنامج الصواريخ الباليستية، والأنشطة التوسعية الإيرانية في المنطقة.
خاصة، أن الإجماع بين القوى الدولية منعقد لجهة قصور الاتفاق المبرم على تحقيق الأمن والسلام. وخير دليل على دليل مواصلة تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، واستمرار الأنشطة العدوانية في اليمن وسورية والعراق ولبنان، بل وتمددها إلى شمال إفريقيا بالاعتماد على حزب الله وكيلها الخارجي في لبنان.
يضع هذا الإقرار بشأن عجز مضمون الاتفاق على تطويق الأطماع التوسعية لطهران الأوروبيين الذين يحاولون الحفاظ عليه ضمن رصيد إنجازات الدبلوماسية الأوروبية، في موقف محرج أمام نظرائهم الأمريكيين.
وبناء على ذلك، وبدءا للمصالح الأمريكية الأوروبية المتشابكة والمعقدة؛ يُستبعد أن تخوض أوروبا أي مواجهة فعلية ضد قرار ترامب لاستحالة ذلك، إذ لا يمكن للأوروبيين التضحية بمصالحهم التجارية البالغة أكثر من ألف مليار يورو، موزعة بين السلع والخدمات، مع الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل 15 مليار يورو، التي تساوي حجم التبادل التجاري بين إيران وجميع الدول الأوروبية.
كما أن الصينيين أيضا من جهتهم، وعلى الرغم من خلافاتهم مع الأمريكيين، فلن يضحوا بروابطهم الاقتصادية المتداخلة معهم؛ وكذلك روسيا التي ستستفيد من انهيار الاتفاق، ومع ذلك ليس بمقدورها إنقاذه.
سيناريوهات ما بعد انسحاب أمريكا
لم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التأكيد وبوضوح، في كلمته أمام الكونجرس الأمريكي على أن "الهدف واضح في إيران، وهو ألا تمتلك أبدا سلاحا نوويا، لا الآن ولا بعد خمسة أعوام ولا بعد عشرة أعوام، أبدا"، مؤكّدا، في الوقت نفسه، أنه "يجب ألا تقودنا سياسة إيران إلى حرب في الشرق الأوسط". قبل أن يضيف "علينا أن نعمل على صفقة أشمل من أربع ركائز، هي فحوى الاتفاق القائم حاليا وفترة ما بعد عام 2025، والتأكد من أنه لن يكون هناك أي نشاط نووي إيراني، واحتواء النفوذ العسكري للنظام الإيراني في المنطقة، ورصد الأنشطة الباليستية".
لكن الظاهر أن النظام الإيراني لن يقبل بمثل هذه الاقتراحات، فقبوله التوقيع على الاتفاق النووي بعد مسار طويل من المفاوضات والتماطل، لم يتحقق إلا بعد تأكد طهران من أن مقتضيات الاتفاق لن تقوض مساعيها التخريبية في المنطقة. وهو ما تبين مع مرور الأيام، حيث طورت طهران في السنوات التالية لإبرام الاتفاق منظومة صواريخ باليستية هدّدت الاستقرار في المنطقة العربية.
بعد قرار واشنطن لم يعد أمام صناع القرار في طهران هامش كبير للمناورة، فهم مجبرون على أحد السيناريوهات الثلاث؛ مع الإشارة إلى تكلفة كل منها:
أولا: أن تحذو إيران حذو كوريا الشمالية، بحيث تحاول امتلاك السلاح النووي ثم التهديد باستخدامه، ومن ثم تفاوض الغرب من موقع قوة.
خيار سهل نظريا، لكنه صعب واقعيا عند استحضارنا الاحتقان الاجتماعي في أوساط الشعب الإيراني، وصراع الأقطاب الذي يعيشه النظام الإيراني المهدد بفقدان مرشده في أي لحظة.
ثانيا: سيناريو الحرب متى قررت إيران العودة للتخصيب، ما قد يدفع القوى الدولية للقيام بعملية عسكرية، بهدف تدمير بعض المنشآت النووية الإيرانية.
يبقى هذا الخيار مكلفا جدا، لكنه أفضل السيناريوهات لدى رجال الحرس الثوري، فهو بمنزلة تجديد للشرعية؛ إذ ستلتف الأمة بكاملها حول قيادتها، وتطالب بالانتقام، ما يدفع المنطقة إلى مزيد من الاحتقان.
ثالثا: قبول طهران بمراجعة الاتفاق النووي، قبل دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ. وفق ما كانت تسعى العواصم الأوروبية وموسكو، بإضافة ملحق يضمن بخصوص الصواريخ والحد من الأنشطة التوسعية بالمنطقة.
إنه الخيار الأسلم للشعب الإيراني المقهور، وللمنطقة التي عانت كثيرا السياسات الإيرانية، ومن مشاريع التغيير الديموغرافي والعقائدي التي انخرط فيها نظام الملالي منذ عقود من الزمن.

