الاثنين, 5 أكتوبر 2026|22 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ما زالت قواعد الاقتصاد تقوم بدورها، وما زال يمكن الاعتماد عليها في تصحيح الأسواق والأسعار والمضي قدما في تنمية مستدامة، وكلما تلبدت الغيوم في سماء الاقتصاد، فإن على المخططين الارتكاز على القواعد الأساسية وعدم التسرع في اتخاذ قرارات خارج النص. هذا ما يمكن القول به مع النجاح الكبير الذي حققته اتفاقية خفض الإنتاج المبرمة بين "أوبك" بقيادة المملكة والمستقلين بقيادة روسيا. وكما جاء في تصريحات وزير الطاقة السعودي على هامش مشاركته في منتدى "دافوس" الاقتصادي في سويسرا أخيرا، فقد قادت الاتفاقية التاريخية التي تمت في الجزائر عام 2016 إلى إضافة ما لا يقل عن 25 دولارا لسعر البرميل، وهو ما عاد بالفائدة على الدول المصدرة للخام.

لقد استندت الاتفاقية التاريخية إلى قواعد راسخة في علم الاقتصاد، فالزيادة الهائلة في المخزونات العالمية والتوسع الكبير في الإنتاج مع انتشار الرعب بين المنتجين من النفط الصخري الأمريكي، كل ذلك قاد إلى انهيار شامل في الأسعار حتى لامست 30 دولارا، وانتشرت المقالات والنقاشات حول مستقبل النفط الغامض كقاعدة ارتكاز للحضارة، لكن في وسط الضباب كان هناك من يضيء المنارة. لقد كانت المملكة بهدوئها وحكمتها تضيء للعالم الطريق. وبعد ماراثون طويل من المفاوضات تم الاتفاق بين المنتجين على الثقة بالقواعد الأساسية، وأنه يمكن لاتفاق بتخفيض الإنتاج أن يقوم بدوره إذا التزم الجميع به. بالطبع، كان الجميع بحاجة إلى الثقة، وتحملت المملكة هذا العبء وهي تقوم بتحمل الجزء الأكبر من التخفيضات، ولم يكن أحد يتوقع أن يصمد الاتفاق، خاصة مع ضغط الولايات المتحدة بالتصدير، لكن الأمور اتضحت الآن مع عودة المنتجين للسيطرة على المضاربات وعلى المخزونات، وعاد برميل النفط يتداول حاليا عند مستوى 70.3 دولار.

لقد كانت الأمور غامضة بشأن استمرار الطلب عند مستويات مقنعة للمنتجين، كما أن كميات النفط الصخري مقلقة. لكن، كما أشار إليه وزير الطاقة السعودي في المنتدى العالمي بأن الوضع اليوم موات في سوق الطاقة العالمية، فالنمو في البلدان النامية وأوروبا وروسيا عاد من جديد، كما أن الصين تحافظ على معدلات نمو مرتفعة نسبيا، فيما تشهد الهند زخما في النمو. وظهر بكل وضوح أن واقع الأمر هو حاجة العالم إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميا لتلبية زيادة الطلب سنويا، وأن هناك حاجة أيضا إلى نحو 2.5 مليون برميل لتعويض الانخفاض الطبيعي في الإنتاج العالمي، كما أن النفط الصخري غير قادر على تلبية هذا الطلب إلا بجزء يسير منه. وبمعنى آخر، فقد انقشع الضباب الذي لف الأسواق العالمية الآن، وأصبح واضحا أن دور الدول المنتجة للنفط لم يزل محوريا. وهنا، تلعب المملكة وروسيا الدور الأبرز، إذ يعود الفضل لهما في إنجاح الاتفاقية، واستقرار الاقتصاد العالمي. ومرة أخرى، فإن الفضل كله يعود إلى الدور الكبير الذي قامت به المملكة في إقناع الجميع بأن القواعد الأساسية هي المرتكز، وأن المراهنة عليها هي ما يمكن أن تجنب الجميع مخاطر غير محسوبة. ولو لم يؤمن المنتجون بقدرات السعودية وحكمة القرار فيها، لما أسلم الجميع لها قيادة السوق. وعندما تدعو المملكة مرة أخرى الدول المنتجة للنفط حول العالم إلى تمديد التعاون فيما بينها لخفض الإنتاج بهدف تعزيز الأسعار العالمية للنفط إلى ما بعد 2018، فإن على الجميع الثقة بالقواعد التي يدركها الكبار فقط.

منتدى الاقتصادية 2026