السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أطالع حاليا كتابا متخصصا إلى حد ما، بعنوان "منشأ إدارة الأصول من 1700 إلى 1960"*، من تأليف نايجل إدوارد موركروفت. وهو ليس من النوع الذي يعده معظم الناس كتابا مسليا في وقت الفراغ، لكن إذا كنتَ تحب الاطلاع على شيء من التاريخ المالي، أو إذا كنت تعمل في إدارة الأموال، فهو جدير بالقراءة ليكون تذكرة تبين لك السبب في وجود الصناعة وما الذي يفترض أن تفعله فعلا للأسواق والمستثمرين.

الفترة التي يتناولها الكتاب تأخذنا عبر تطور الشركة الحديثة، من أصحاب المشاريع الذين يعملون في شراكات والأعمال التجارية الصغيرة التي يمولها الأفراد، إلى ظهور الشركة التجارية والشركة الحديثة ذات المسؤولية المحدودة المدرجة في البورصة.

حين تقلب صفحات الفصول الأولى ترى صناعة ذات طابع مألوف تبدأ في التطور من أواخر القرن التاسع عشر. ظهرت صناديق الائتمان بهدف توفير مكان يضع فيه الأغنياء الجدد (نتيجة مزيج من الإمبراطورية البريطانية والتصنيع) أموالهم بخلاف السندات الحكومية ذات العوائد المتدنية إلى درجة مثيرة للشفقة ـ تراجعت العوائد بلا هوادة في المائة سنة التالية لعام 1815.

عندما تنظر إلى قوائم المساهمين في صندوق الائتمان "فورين آند كولونيال إنفيستمنت" في 1881 لترى الصناعة وهي تتطور لتخدم هذا الجمهور الجديد. مهن الأرستقراطيين والنساء لم تكن تسجَّل في القوائم، فقط ألقابهم ووضعهم الاجتماعي. لكنّ الرجال المسجلين كانوا من العاملين في صناعة الجلود، والعاملين في المستودعات، والعاملين في غزل الكتان، والمزارعين. كانوا أناسا عاديين يسلمون أموالهم ليتم تجميعها واستثمارها من قبل خبراء مؤتمنين على أمل الحصول على مستقبل أفضل.

حين تقرأ البقية تبدأ في رؤية الفرق بين الصناعة التي تطورت على مدى الـ260 سنة التي يغطيها كتاب موركروفت والصناعة الموجودة لدينا اليوم. يقول الكاتب إن أكثر المستثمرين إثارة للإعجاب الذين ورد ذكرهم في الكتاب كانوا "مبدعين، ومجتهدين، وأقوياء من الناحية الفكرية، ومن أصحاب العزيمة، وغالبا من خلفيات غير عادية – في العادة من خارج دوائر المؤسسة".

عاش هؤلاء الناس في عصر "لم تكن فيه الخلفية المتواضعة والتعليم القليل يشكلان حواجز أمام النجاح". مثلا، روبرت فلمنج، القوة المحركة وراء "سكوتش أمريكان إنفسمنت ترست"، جاء من خلفية من الطبقة العاملة وترك المدرسة وعمره 13 سنة.

كانوا ذوي نظرة تطلعية ويتمتعون بعقلية مرنة. فلمنج، الذي كان يؤمن بشدة بـ "قوة المعلومات" وأهمية أن ينخرط المساهمون في الشركات التي يستثمرون فيها، زار الولايات المتحدة 64 مرة على مدى 50 عاما باسم الأبحاث. وهذه مأثرة ليست بالهينة إذا علمنا أنه حين بدأ هذه السلسلة من الزيارات كان عبور الأطلسي يحتاج إلى 16 يوما (انخفضت إلى خمسة أيام بحلول عام 1900).

مديرو الأموال الذين عملوا بصدق على تغيير طبيعة هذه الصناعة كانوا يتمتعون بنوع من التأييد والدعم. توصيات فلمنج من الولايات المتحدة كانت مأخوذة من وكلائه رغم حقيقة أنه بدأ إعطاؤها حين كان عمره 23 عاما. جون مينارد كينز، أحد الآباء المؤسسين لعلم الاستثمار الحديث، إلى جانب كونه اقتصاديا رائدا، كان يتمتع بتأييد تام من كلية كينجز في جامعة كامبريدج، حتى حين مر بفترة أداء متقلب في عام 1931. وروس جوبي، الذي ربما كان أقدر الجميع على إحداث التغيير، حصل على حرية كاملة من شركة إمبيريال توباكو لتحويل صندوق التقاعد الخاص بها.

كانت لديهم آفاق زمنية مناسبة طويلة الأمد وعالمية: تأسست أول صناديق الائتمان على أساس أنها ستبقى مستثمرة لمدة 20 سنة أو أكثر. وكان يُنظَر إليها أيضا على أنها مفيدة اجتماعيا. حين ينظر موركروفت إلى التحول الحميد نسبيا، المتمثل في انتقال السلطة السياسية من الأرستقراطيين إلى الطبقة الوسطى، فإنه يتساءل إن كان أحد العوالم المساندة هو صعود صناعة الاستثمار التي ساعدت في تحويل القوة الاقتصادية من جماعة إلى أخرى وفي إنشاء رأس مال لتطوير البنية التحتية. ربما.

أخيرا، وعلى نحو حاسم، كانوا أحرارا، بمعنى أنهم لم يكونوا مقيدين بمؤشرات. المستثمرون البريطانيون الرواد لم يكونوا يعرفون شيئا عن المؤشرات، أو "سياسات الاستثمار التقييدية، أو المقاييس قصيرة الأجل للأداء النسبي. كانوا يرون أن عملهم إما تحقيق دخل أكثر من السندات الحكومية، وإما المحافظة على قوة الإنفاق الحقيقية من خلال مواكبة التضخم أو التفوق عليه. بمعنى أنها كانت مبادئ بسيطة، ومباشرة، وطويلة الأمد.

وأتساءل ما الذي يمكن أن يفهموه من صناعة اليوم القائمة على التفكير الجماعي، والافتقار العام إلى الاهتمام بالهدف الاجتماعي، والرسوم العالية (إذا كانت نسبة 0.25 في المائة مقبولة في القرن التاسع عشر، فما المانع أن تكون مقبولة الآن؟) والحوافز الخيالية لمتابعة المؤشرات. يغلب على ظني أنهم لن يفهموا الكثير.

انطلاقا من هذه الخلفية كنتُ أقرأ بحثا نشر لتوه من المعهد الأوروبي لتمويل الشركات. البحث عميق – كتاب موركروفت يعد قراءة خفيفة بالقياس إليه. لكن مؤلفي البحث حاولوا التوصل إلى مدى خطورة أن يقدم مديرو الأموال ومديرو صناديق التحوط بصورة خاصة أداء دون مستوى مؤشر معياري معين لمدة سنتين.

الجواب: في منتهي الخطورة. وفقا لحساباتهم، فإن "مفعول الندوب" على أحد المديرين الكبار الذي ينتهي المطاف بصندوقه إلى أن يتعرض للتصفية بعد أداء نسبي ضعيف بشكل متواصل (لاحظ كلمة "نسبي") يعادل "خسارة في الأجر يبلغ متوسطها السنوي 664 ألف دولار" بسبب "خسارة السمعة".

ربما تظن أنهم على حق تماما في ذلك. لكن هناك أمور تشتمل عليه أكثر من ذلك. الأداء المتفوق لا يمكن أن يأتي بدون خطر الأداء المتدني، والنظام الذي يعاقب بشدة صاحب الأداء المتدني لا يرجح له أن يحصل من صاحب الأداء المتفوق مثلما يظن أنه يجدر به الحصول عليه، ومن هنا هيمنة متابعة المؤشرات في بريطانيا (المقصود بذلك هو صناديق تتظاهر بأنها نشطة، لكنها في الواقع تتابع المؤشر بصورة أو بأخرى).

في أيام فلمنج، لم يكن الأداء النسبي موجودا. اليوم الأداء النسبي هو كل ما يهم بالنسبة للحياة المهنية لمدير الصندوق. الطريقة التي تجعله يواصل تحقيق دخله المتضخم، بمجرد أن يكون قد أسس لنفسه سمعة جيدة باعتباره مديرا فعالا، هو ألا يكون مديرا فعالا بشكل خاص – وإنما متوسط الحال. إدارة الصناديق قطعت شوطا طويلا منذ عام 1700. ولكن ليس بالضرورة في الطريق الصحيح.

* The Origins of Asset Management from 1700 to 1960

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية