يعد تقرير "بتروليوم إيكونوميست" الدولي الذي يفسر التغيرات في هيكل السوق النفطية بمنزلة شرح تفصيلي للحالة الاقتصادية الراهنة والتوقعات بشأن مستقبل السوق النفطية والأسعار كما يقدم تصورات بالقضايا الإيجابية والسلبية التي تواجه السوق. وبشكل عام فإن تقرير "بتروليوم إيكونوميست" يؤكد النجاح الكبير الذي حققته منظمة أوبك بشأن السيطرة على الأسعار والإنتاج، على أنه يحذر من أن التحديات ما زالت قائمة، وفي هذا يمكن القول إن "أوبك" نجحت مرة أخرى في التغلب على التحديات التي واجهتها والشكوك الرئيسة التي هاجمت قدرتها على البقاء والتأثير، لكن التقرير يلمح بوضوح إلى أن النجاح الذي حققته "أوبك" مرده إلى التحول الرئيس في صناعة قراراتها وذلك بالتنسيق الكبير الذي شهدته السوق مع المنتجين من خارج "أوبك"، خاصة اجتماع الجزائر التاريخي عام 2016 الذي يعتبر اليوم منعطفا تاريخيا في مسيرة الاقتصاد العالمي. لقد صرح التقرير بشكل واضح على أن "أوبك" استفادت كثيرا من تجاربها القديمة واستوعبت ضرورة تحمل الجميع للمسؤولية والتأكيد على المشاركة الواسعة للمنتجين بجميع أطيافهم في التحرك نحو إجراء التخفيضات في الإنتاج وألا يطبق الأمر من جانب واحد كما حدث في فترات سابقة. كما يؤكد التقرير أن المنتجين بعد اجتماع الجزائر 2016 ركزوا على هدف خفض المخزونات التجارية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أجل إعادتها إلى المستويات الطبيعية عند المتوسط في خمس سنوات، وتقليص أنشطة المضاربة، مشيرا إلى أن فائض المخزونات يراوح حاليا بين 30 و50 مليون برميل فوق متوسط خمس سنوات.
من أهم القضايا الإيجابية في السوق النفطية التي أشار إليها تقرير "بتروليوم إيكونوميست"، التأكيد على القدرات الكبيرة التي يمتلكها الاقتصاد السعودي حاليا، وأن أسعار النفط المرتفعة ستدعم التحولات التي يشهدها الاقتصاد، والمملكة اليوم خاصة بعد الإصلاحات التي شهدتها الميزانية العامة وبدء مرحلة جديدة من المشاركة مع القطاع الخاص. وأن ترد هذه الإشارات في تقرير منظمة دولية مستقلة تصدر تقاريرها عن السوق النفطية العالمية يؤكد أن التحولات في الاقتصاد السعودي محل مراقبة المؤسسات الدولية وأن هذه التحولات ذات أثر في الاقتصاد العالمي نظرا للدور الرئيس الذي تلعبه المملكة في توجيه قرارات "أوبك" وبالتالي قرارات باقي المنتجين. وفي هذا الشأن نبه التقرير إلى أهمية أن تسارع دول منظمة "أوبك" في التغلب على التحديات الاقتصادية الراهنة من خلال تبني سياسات مرنة للتكيف مع هيكل أسعار النفط المتغيرة وتحقيق التنافسية ولا سيما في ظل أنظمة العملات الثابتة الخاصة بها والصعوبات في إزالة الدعم في جميع أنحاء دول الشرق الأوسط، مشددا على ضرورة تسريع معدلات النمو الاقتصادي في القطاعات غير النفطية. وهنا نشير بكل وضوح إلى أن هذه السياسة الاقتصادية التي اتبعتها المملكة منذ انهيار الأسعار عام 2014، التزمت بها رغم حجم التحديات الهائلة حينها، خاصة أن الأوضاع السياسية في المنطقة لم تكن تهيئ لمثل هذا المناخ الملائم، لكن حكومة المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين أدركت هذه التحديات وأدركت أهمية المضي قدما في الإصلاحات، والآن تقطف السوق العالمية برمتها النتائج الإيجابية للقرارات التاريخية التي اتخذتها المملكة.
من القضايا الإيجابية التي أشار إليها التقرير انخفاض القلق العالمي بشأن النفط الصخري، ويبدو أن القرارات التاريخية التي اتخذتها الدول المنتجة في الجزائر 2016 أثرت بشكل جوهري وعميق في الطلب العالمي وهو الأمر الذي حيد تأثير زيادة الإنتاج الأمريكي ذلك أن أي زيادة في الإنتاج الأمريكي يمكن استيعابها بسبب ارتفاع الطلب العالمي على النفط، معتبرا الإنتاج الأمريكي لم يحقق نجاحات كبيرة في السوق الرئيسة لـ "أوبك" وهي القارة الآسيوية رغم غزارة وسرعة إنتاجها، كما أن القدرات التصديرية الأمريكية لم تصل بعد إلى مستوى النضج الكامل، وإذا كانت السعودية وروسيا وأنجولا تسيطر على السوق في شرق الكرة الأرضية فإن السوق الرئيسة للنفط الصخري في المرحلة المقبلة ستتركز في أسواق أوروبا، وهي المنطقة التي من المتوقع أن ينخفض الطلب على النفط فيها بمرور الوقت.
من القضايا السلبية التي يشير إليها التقرير الأسعار المفرطة في الارتفاع (كما يراها التقرير) وحذرت المنظمة من أن هذه الأسعار قد تكون ملائمة لبعض الدول المنتجة لكن تأثيراتها طويلة المدى في السوق قد تكون ضارة، وأن على وزراء النفط والطاقة في "أوبك" الذين سيعقدون اجتماعهم في حزيران (يونيو) المقبل ألا يكتفوا بقرارات ضبط المخزونات بل بمزيد من الاستثمارات طويلة الأجل على أن تظل الأسعار في المستويات الآمنة بحيث لا تهدد كلا من نمو الطلب أو استراتيجية "أوبك" طويلة الأجل لدعم استقرار السوق. وقد حذر التقرير من أن يزداد الانخفاض في إنتاج النفط الخام في ظل استهداف الولايات المتحدة للواردات من فنزويلا، والعقوبات الأمريكية المحتملة على إيران، وأن هذا الأمر يجعل مهمة "أوبك" لضبط الالتزام بالحصص تحديا كبيرا وصعبا.
