Author

محاربة الغش العقاري

|

على الرغم من تفاقم أعداد الوحدات السكنية المهترئة، والسيئة البناء والتصميم، وتورط كثير من الأفراد مع الأسف في تحمل آفاتها المريرة، واتساع دائرة هذه التشوهات فترة بعد فترة، إلا أن بيئة الأعمال في قطاع التطوير العقاري المحلي، لم تصدر حتى تاريخه ما يشير عمليا إلى توقف هذه الآفة والغش التطويري العقاري، حماية لمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، ومنعا لفقدان الثقة بهذا القطاع الحيوي، التي سيدفع ثمنها دون أدنى شك إضافة إلى أفراد المجتمع من الضحايا، شركات التطوير العقاري ذات السمعة التجارية والعقارية الجيدة.
تبدأ ورطة المشترين لتلك الوحدات السكنية المغشوشة البناء والتصميم، من انعدام فرصة السكن في الوحدة السكنية، مرورا باستمرار استقطاع أقساط التمويل العقاري من راتب المشتري شهريا رغم عدم استفادته من المسكن، انتهاء بضياع حقوق المشتري وانتفاء وجود من ينصفه بإيقاف الاستقطاع الشهري من راتبه، والأهم من ذلك أن ترد إليه أمواله المدفوعة للشراء التي ذهبت سدى، وفقا لما آلت إليه الأوضاع الراهنة بشواهدها القائمة الآن، وعدم وجود عقوبات رادعة وصارمة على من قام ببناء وتشييد تلك الوحدات السكنية المغشوشة، وعلى من قام بتسويقها والتغرير بعباد الله وتوريطهم فيها، وعلى من قام بدفع التمويل العقاري للمشتري، رغم أنه وفقا لأنظمة التمويل كان قد فحص وقيم الوحدة السكنية، ما ينفي عنه الجهالة بحقيقة الوحدة السكنية، وما تحمله من غش بين في البناء والتصميم.
كما تؤكد وقائع الحال أعلاه؛ أن الضحية الوحيدة في السلسلة كان المشتري المغلوب على أمره فقط! فيما خرج بقية الأطراف "المطور، المسوق، الممول" من القضية سالمين غانمين، ليغوص المشتري الضحية الوحيدة في وحل من التعقيدات والإجراءات الطويلة الأجل، التي لم يلح في الأفق حتى تاريخه أن أحدهم قد نجا من هذه الورطة الهائلة، وأنه ما زال خاضعا للتقاذف بين أيادي الجهات المعنية، كل يخلي مسؤوليته من تحمل ما وقع على المشتري الضحية من أضرار جسيمة، واللافت المؤلم في الوقت ذاته استمرار تدافع طابور الضحايا من المشترين الحالمين بتملك "مساكن العمر" دون توقف، وارتفاع أعدادهم فترة بعد فترة!
لا بد أن يتم التصدي لتلك الآفة "الغش العقاري" بأسرع وقت، وأن يتم التعامل معها بأعلى قدر من الحزم والعقاب والتغريم، وهذه مسؤولية الأجهزة والجهات كافة ذات العلاقة، في مقدمة تلك الأجهزة والجهات: وزارة التجارة والاستثمار، وزارة الإسكان، وزارة البلدية والشؤون القروية، وزارة العدل، مؤسسة النقد العربي السعودي، شركة الكهرباء. يجب إقرار النظام الشامل الهادف لحماية الاقتصاد والمجتمع من انتشار أشكال الغش العقاري كافة، بدءا من التلاعب بالأسعار، وعدم بذل الجهد الكافي من قبل المثمنين العقاريين، مرورا بتغرير وخداع الوسطاء والمسوقين العقاريين، انتهاء بمؤسسات التمويل العقاري، وتحديد جهة حكومية معلومة للجميع، تتولى المعالجة الفورية لتلك القضايا الشائكة، وإيقاع العقوبات الرادعة جدا على كل من يتورط فيها من أي طرف كان، وصولا إلى أعلى درجات حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع من هذه الآفات الخطيرة، وإرساء للثقة اللازمة في بيئة الأعمال بشكل عام، وقطاع التطوير العقاري على وجه الخصوص، وحماية للاستثمارات الوطنية الضخمة في القطاع، ممثلة في شركات التطوير العقاري النزيهة، وذات السمعة العقارية الجيدة.
يعلم الجميع حجم أزمة الإسكان الراهنة، وما تمثله من تحد تنموي جسيم على كاهل الجميع في الوقت الراهن، ويعلم أيضا حجم الجهود الكبيرة التي اتخذتها الدولة ــ أيدها الله ــ في سبيل معالجتها والخروج منها، وأن السماح باستمرار هذه الثغرة الخطيرة، المتمثلة في عدم وجود ما يردع تفشي أشكال الغش العقاري، يعني:
(1) السماح بتفاقم أزمة الإسكان محليا، وارتفاع مخاطرها إلى درجات أعلى مما وصلت إليه حتى تاريخه، ووصولها إلى مستويات عالية جدا تهدد بصورة أكبر مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وتسببها في زيادة تعقيدات وتشوهات بيئة قطاع التطوير العقاري، في الوقت الذي يتم العمل الحثيث عليه نحو تحسين وتطوير وتنظيم هذا القطاع، وزيادة جاذبيته استثماريا للثروات الوطنية ومن خارج الحدود، وكل هذا لا يستقيم معه الحال على الإطلاق في ظل استدامة مثل هذه الأشكال من الغش العقاري، والممارسات المخالفة جملة وتفصيلا.
(2) ويعني أيضا استدامة أشكال الغش العقاري دون رادع حقيقي وكاف؛ السماح بهدر الجهود والموارد الكبيرة التي بذلتها الدولة في سبيل التصدي لأزمة الإسكان، والعمل المستمر والحثيث من قبلها على طريق إيجاد الحلول اللازمة للخروج من براثن هذه الأزمة التنموية الكأداء، بما يعني أن استدامة هذه الآفات دون معالجة وحل صارم، تمثل فعليا خسارة مضاعفة لبقية جهود الدولة، وتعطيلا صريحا لتلبية تطلعات وطموحات أفراد المجتمع عموما.
لم يكن مفترضا ترك هذه الآفات وأشكال الغش العقاري لتنتشر على الصورة اللافتة التي وصلت إليها، ولم يكن مفترضا من قبل الأجهزة المعنية بها أكثر من غيرها من الأجهزة تجاهلها والتأخر عن مواجهتها، وأن تصل بأخطارها إلى أن تصبح ظاهرة سلبية واسعة الانتشار، أصبحت معها بكل أسف حديثا متكررا بين أفراد المجتمع، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وأن تصبح مادة ساخنة لعديد من وسائل الإعلام المختلفة. نترقب جميعا تدخلا عاجلا لوقف هذه الأشكال المخجلة من الغش العقاري، والتعامل معها بيد حديدية تحمي مقدرات البلاد والعباد، وهو الأمر المأمول في الوقت الراهن من الجهاز الأقوى وصاحب المبادرات الشجاعة، ممثلا في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وهو أهل لها؛ ليتولى بدوره المجرب والمعلوم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة، لمحاربة أشكال الغش العقاري بأنماطه ومستوياته كافة. والله ولي التوفيق.

إنشرها