Author

تطورات السوق العقارية وانعكاساتها مستقبلا

|

أنهت تعاملات سوق الأراضي والعقارات عامها الماضي 1438هـ على انخفاض بنسبة 27 في المائة للعام الثالث على التوالي، مقارنة بالعام الأسبق 1437هـ، مسجلة انخفاضا بلغت قيمته الإجمالية نحو 75.4 مليار ريال. بينما وصلت نسبة انخفاضها مقارنة بعام الذروة العقارية خلال 1435هـ نحو 53.4 في المائة، أي بانخفاض بلغت قيمته الإجمالية نحو 233.3 مليار ريال. تعزز إلى حد بعيد جدا تلك المؤشرات العقارية الموثوقة الصادرة عن وزارة العدل، توقعات اتجاه أزمتي العقار والإسكان نحو الزوال بمشيئة الله تعالى، وأن توافق تأثير عديد من العوامل الاقتصادية والمالية الراهنة، إضافة إلى الجهود الشاملة والواسعة للإصلاح والتطوير، كلها ستؤدي مجتمعة إلى انفراج أحد أكبر الأزمات التنموية محليا، وتتحول لاحقا إلى ركائز توطد الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء. ذلك أن انخفاض الأسعار المتضخمة جدا للأراضي والعقارات وإيجاراتها السنوية سكني وتجاري، سينعكس في نهايته إيجابا على الأداء الاقتصادي عموما، عبر انخفاض تكلفة التشغيل على المنتجين، إضافة إلى تكلفة المعيشة على مجتمع المستهلكين. إن عودة عنصر الأراضي إلى وضعها الطبيعي كأصل إنتاجي يخدم استغلاله وتوظيفه عموم مقدرات الاقتصاد الوطني، وتنازلها عن كونها مجرد مخزن للثروة والأموال، وابتعادها عن تعاملات المضاربة المحمومة عليها، وما تسببت من خلاله في إلحاق كثير من الأضرار بالاقتصاد والمجتمع، يعني كثيرا جدا لحاضرنا ومستقبلنا. يمكن استعراض جزء مهم من الصورة المشرقة لهذه التحولات الجذرية في بيئة الاستثمار المحلية لدينا، التي تتبلور في مجملها بزيادة تحفيز اتجاه رؤوس الأموال والثروات الوطنية نحو الاستثمار والتشغيل والإنتاج، مقابل إخلاء مواقعها السابقة المتمثلة في مجرد تكديسها في أراض جرداء دون انتفاع منها، والاكتفاء في مناطق أخرى بمجرد تنفيذ عمليات واسعة جدا من المضاربات المحمومة على المتاح المحدود للتداول منها. لعل من أهم الإشراقات الاقتصادية المنتظرة لما يجري من تحولات جذرية داخل سوق العقار لدينا، أنها ستؤدي إلى ترسيخ أسباب الاستقرار الاقتصاد الوطني، وإلى كبح جماح التضخم الناتج عن الفقاعة العقارية لمختلف الأصول العقارية، التي تضخمت طوال عقد مضى دون وجود مبررات عقلانية مقبولة أو حتى تتمتع بأدنى درجة للإقناع، إضافة إلى أنها ستؤدي إلى تعزيز مصادر النمو الاقتصادي المستدام، نتيجة اتجاه الثروات والأموال الوطنية نحو التشغيل والإنتاج والاستثمار المجدي اقتصاديا واجتماعيا، عوضا عن ممارساتها السابقة المدمرة للجميع المتمثلة في مجرد احتكار الأراضي فقط، وتسخين أسعارها تحت مظلة المضاربات المحمومة. النتيجة الأهم لزيادة استغلال الفرص الاستثمارية محليا، وضخ الثروات والأموال في قنواتها الواعدة جدا، التي تتوافق مع تحفيز "رؤية المملكة 2030" من خلال برامجها التنفيذية العديدة، أنها ستثمر عن توافر مئات الآلاف من الوظائف المجدية أمام مئات الآلاف من الباحثين والباحثات عن فرص عمل كريمة من أبناء بلادنا، ومساهمتها بدورها في خفض معدلات البطالة المرتفعة خلال الفترة الراهنة، والذهاب أبعد من ذلك نحو مزيد من تحسن مستويات دخل الأفراد عموما، التي ستعزز من قدرة المجتمع على مزيد من الادخار والاستهلاك، كل تلك النتائج الإيجابية ستصب في مصلحة الاقتصاد الوطني، وتعزز من قدراته ـــ بإذن الله تعالى ـــ وتدفع به نحو مزيد من النمو المتين، والاستقرار الراسخ. إنها تحولاتٌ بالغة الأهمية في الأجلين المتوسط والطويل، تعني في حقيقتها إعادة قوية للسوق العقارية لأجل خدمة الاقتصاد الوطني ومقدراته، فتنمو بمعدل طبيعي مقبول متوافق مع معطيات الاقتصاد الوطني، وليس العكس كما حدث سابقا خلال الأعوام الماضية، التي كانت تمتص الثروات والأموال بهدف الاحتكار والمضاربة فقط، وتعيد إليه سلبيات مؤلمة كان من أكثرها وضوحا للجميع التضخم وتآكل قيمة الريال، في الوقت ذاته الذي وقفت خلف افتعال أزمة الإسكان المحلية، وتسببها في تحمل الدولة ومنشآت القطاع الخاص والمجتمع لأعباء مالية مرهقة جدا. ولعل مثالا مختصرا يوضح أي عبء تنموي تورطنا جميعا في وحله! فحين يتم على سبيل المثال تكديس نحو عشرة مليارات ريال في أراض دون الانتفاع منها أو تطويرها، وانتظار أن ترتفع قيمتها السوقية نتيجة لتشوهات هيكلية قائمة إلى نحو 100 مليار ريال خلال أعوام قليلة جدا، سنجد أن المستفيد الوحيد من هذه القفزة السعرية انحصر في مالك تلك الأراضي فقط، بينما في المقابل سنجد أنها لم تحقق أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ولم تثمر عن توظيف حتى مواطن واحد، بل على العكس تماما؛ تسببت في مزيد من التضخم في الأسعار، وزيادة الأعباء على كاهل بقية أطراف ونشاطات الاقتصاد والمجتمع. الموقف الآن تغير تماما، وأصبح السبيل الوحيد أمام الثروات والأموال لأجل الاستثمار، محصورا فقط في التشغيل والإنتاج، وهو ما يعني بدوره أن موارد الاقتصاد الوطني أصبحت مسخرة لأجل الاستثمار المجدي اقتصاديا، والتشغيل والإنتاج الداعم لتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي ستؤدي بدورها إلى إيجاد مزيد من فرص العمل الكريمة وتوظيف المواطنين والمواطنات، وتحسين مستويات دخول الأفراد والأسر، وفي الوقت ذاته تحقيق العوائد المجدية لأرباب تلك الثروات والأموال، وهو العامل الأهم بالنسبة إليهم، وبهذا سيكون الجميع قد جنى مكاسب وعوائد كل حسب نصيبه، وهو ما لا يقارن إطلاقا بما كانت الأوضاع سابقا عليه؛ أن تجد طرفا واحدا فقط هو الحاصد للمكاسب دون غيره، والمؤلم حينما تتحقق تلك المكاسب الهائلة على حساب تحمل بقية الأطراف لخسائر فادحة! وهو ما لم يعد مقبولا أبدا استمراره مهما كلف ثمن معالجته، وهو أيضا ما وضعته الدولة ـــ أيدها الله ـــ في سياق توجهات الإصلاح والتطوير والنهضة بمقدرات اقتصادنا الوطني. عانت سوقنا العقارية طوال أكثر من عقدين ماضيين، من زيادة استحواذ عنصر الأراضي فقط على أكثر من 92 في المائة من السيولة المدارة في السوق العقارية، حتى أصبح ممكنا القول إن السوق العقارية المحلية، تحولت في الحقيقة إلى سوق للأراضي فقط، ونزع عنها ما يمكن تسميته بسوق عقار، وهذا خللٌ جوهري وعميق له عواقبه الوخيمة، التي شهدنا منها الكثير اقتصاديا واجتماعيا طوال العقد الأخير ولا نزال حتى تاريخه، ما يستوجب إصلاحها من جذورها، وألا نقبل بأي أعذار واهية قد تصدر عن جهات ضيقة التفكير والمصالح، تحاول الدفاع عن استدامة مثل هذا الوضع الممتلئ بالتشوهات والآفات اقتصاديا واجتماعيا. إننا نراهن جميعا بتوفيق الله جلت قدرته على النجاح المأمول لأكبر مشروع تنموي محلي وإقليمي، ممثلا في "رؤية المملكة 2030" بكل ما تتضمنه من برامج تنفيذية عديدة، أنها ستعمل على إعادة إخراج ركائز وشكل الاقتصاد الوطني بأكمله من جديد، للوقوف مستقبلا على أرض أكثر صلابة وقوة واستقرار ــ بإذنه تعالى ـــ وأن يحظى أفراد المجتمع السعودي كافة بأفضل الخيارات الحياتية، وهو الهدف المنشود للجميع دون استثناء، وهو أيضا الهدف الذي لا يجب التنازل عنه أو التأخر عن تحقيقه مهما كلف الثمن. والله ولي التوفيق.

إنشرها