يوصف من قبل زملائه في هيئة التدريس في الجامعة، وبعض ممن اشتغلوا معه في المؤسسات المالية الدولية بالمرتد عن الرأسمالية، إنه جوزيف ستيجليتز Joseph Stiglitz الأكاديمي في جامعة كولومبيا الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001. ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون ما بين عامي 1993 و1995، ثم نائبا لرئيس البنك الدولي بين 1997 و2000. وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية في سنة 2009 تم تعيينه رئيسا للجنة خبراء إصلاح النظام النقدي والمالي الدولي.
مكنت الخبرة العملية التي اكتسبها الرجل بعد سبع سنوات من العمل في مراكز صياغة القرار المالي في الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسة البنك الدولي، ممزوجة بالعدة النظرية التي تأتت له عقب سنوات من التدريس في أكبر الجامعات العالمية، من الوقوف عند الحقائق الكبرى والإلمام بصغائر الأمور في تدبير الشأن الاقتصادي العالمي.
لقد وقف الرجل عند أهم الأحداث الاقتصادية التي كان العالم مسرحا لها في النصف الثاني من القرن المنصرم، من قبيل الأزمة الاقتصادية لدول جنوب شرق آسيا، وفترة التحول التي مرت بها دول الاتحاد السوفياتي. كما عاين عن قرب مختلف البرامج التنموية المختلفة في دول العالم الثالث.. وما إلى ذلك من المحطات المهمة في التاريخ الاقتصادي الحديث.
ليخرج في النهاية صوتا نشازا يغرد خارج سرب أنصار الإجماع في واشنطن، ساخطا على السياسات المتبعة للمؤسسات المالية الدولية، التي تعمد إلى التستر على الأوضاع المزرية بالتواري وراء أقنعة مزيفة كالتنمية والديمقراطية. منتصرا لضميره الإنساني الحي حين فضل الدفاع عن الضعفاء في هذا العالم المجنون.
بعدما اكتشف خلال سنوات اشتغال كيف يتم الإصرار على توظيف نماذج اقتصادية قديمة وفاشلة من قبل مؤسسات دولية خدمة لأجندات معينة. وبذلك تكون الحصيلة ركاما من المآسي والمعاناة والكوارث على كافة الأصعدة. كما اكتشف داخل هذه المؤسسات عن نية مع سبق إصرار على الاستمرار في ذات النهج على الرغم من إدراك خطأ وخطر هذه الاختيارات.
أكثر من ذلك، لا يتردد هذا الخبير في اتهام هذه المؤسسات بإحلال أيديولوجية معينة محل علم الاقتصاد، حيث أضحت تنسجم خياراتها وتوجهاتها حد التطابق مع مصالح المجتمع المالي. ما جعلنا في النهاية أمام نظام عالمي ترتبط فيه بضع مؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وبضعة لاعبين كوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بشكل وثيق بمصالح مالية وتجارية معينة تهيمن على المشهد العالمي.
عُرف ستيجليتز بمعارضته الشديدة للسياسات الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية. هذا ولم يكتف بالاستقالة منها بل تحول إلى مناهض لها ولظاهرة العولمة التي فرضتها في مصنفات الأكاديمية التي توالت تباعا في السنوات الأخيرة، ما جعله يصنف كرابع اقتصادي الأكثر تأثيرا في العالم اليوم، كما تم اختياره من قبل مجلة التايم ضمن المائة شخصية الأكثر تأثيرا في العالم لسنة 2011.
يعرف هذا الخبير بولعه الشديد بالتنمية الاقتصادية، لكن ما وقف عنده من حقائق على المستوى الواقعي قد غير كثيرا من وجهات نظره بهذا الخصوص، إن لم يكن قلبها رأسا على عقب، بالتحول من حلف المناصرين لهذه الأفكار والمدافعين عن نشرها إلى جبهة المعارضين لها والمتصدين لبرامجها.
ويعلق على ذلك في أحد مؤلفاته بنوع من التحدي من رجل عاين الحقيقة عن كثب "رأيت عندما كنت في البنك الدولي التأثير المدمر الذي يمكن أن تلحقه العولمة بالبلدان النامية، ولا سيما بين الفقراء في تلك البلدان.. لذا نحن بحاجة إلى أن يعاد التفكير فيها جذريا".
دعوة للتفكير لا ينتظر من يقوم بها حين شرع بنفسه في كشف جبايات وألاعيب السياسات الاقتصادية للبلدان الغربية. فهذه الأخيرة في نظره دفعت البلدان النامية إلى إلغاء الحواجز الجمركية، في حين احتفظت هي لنفسها بأساليب حمائية، يمكن اعتبارها بمنزلة حواجز في وجه الصادرات الزراعية القادمة من هذه الدول.
فكيف يمكن قراءة المبالغة في الشروط الصحية التي تفرضها البلدان الغربية على هذه المنتوجات، أو الدعم الذي تمنحه تلك الحكومات لمزارعيها، ويضرب لنا مثلا عن الدعم الذي تمنحه الولايات المتحدة لمزارعي القطن، رغم أن عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف، وهذا ما يؤدي إلى خسارة أكثر من عشرة ملايين مزارع مناصب عملهم في دول إفريقيا جنوب الصحراء.
في ذات الاتجاه يواصل نقده مسألة الدعم، بمقارنة مؤلمة حقا، فبقرة في أحد البلدان الأوروبية تحظى في إطار سياسة الدعم بمبلغ يفوق ما يناله نصف سكان الأرض. بصيغة أكثر وضوحا نقول إن الدعم الحكومي لكل بقرة يصل إلى دولارين في اليوم، وهو ما يعادل المبلغ المحدِّد لخط الفقر الذي يعيش أكثر من 40 في المائة من سكان الكوكب تحته، وبذلك تكون بقرة في أوروبا أفضل من شخص عادي في أحد البلدان النامية.
أخيرا نشير إلى أن عمق أطروحة ستيجليتز وحكمته تظهر في تجاوزه لخيار الرفض من أجل الرفض؛ على غرار ما عهدنا من هذه النماذج التي ترتد على شيء كانت تدعو إليه وتناصره، فالرجل لم يكفر بالعولمة كفرا بواحا، بقدر ما يمكن وصفه مجازا بكالفن الاقتصاد الدولي حين يدعو إلى إعادة النظر بتدارك الأعطاب قبل فوات الأوان.
توجه إصلاحي جذري اتضح معالمه بشكل جلي في مؤلفاته الأخيرة سواء منها المخصص لأزمة منطقة اليورو "2016" أو اللامساواة الاجتماعية "2015" وثمن عدم المساواة "2012" والسقوط الحر "2010" ... عناوين إلى جانب أخرى تهوي بمعول النقد على ما يجري العمل به من قواعد في الاقتصاد العالمي الحالي، وبالموازاة تطرح بدائل أو على الأقل تدعو إلى التفاكر بصيغة جماعية "النحن" في سبيل الخروج من ورطة فاتورة تكلفتها لم تدفع بعد؛ اسمها "العولمة".


