مع ارتفاع تكلفة مواجهة خطر تغير المناخ خارج نطاق إمكانية الحكومات، يجري العمل على تشجيع المؤسسات الخاصة لدعم ممارسات التنمية المستدامة، وذلك من خلال اتباع أسلوب الحوافز والعقوبات وبناء الوعي. فما الطريقة المثلى لتحقيق ذلك؟
تعد ظاهرة تغير المناخ أكبر دليل على فشل الشركات في إدارة الموارد بطريقة تدعم التنمية المستدامة، حيث يتجه معظم صناع القرار في الشركات إلى اتخاذ قرارات اقتصادية دون الأخذ بعين الاعتبار المتطلبات البيئية، ما دفع تقرير "ستيرن ريفيو في اقتصاديات تغير المناخ" لأن يعد التغير المناخي أعظم فشل للأسواق على مر العصور.
ومع فشل الجهود الحالية في تقديم الحافز اللازم لحماية البيئة، بادرت حكومات بعض الدول الواعية للمخاطر المحدقة بالبيئة إلى أخذ زمام المبادرة، فوضعت مجموعة من الآليات التي من شأنها أن تسهم في حماية البيئة، ودعم توليد ونشر التكنولوجيا الخضراء. ويمكن تصنيف هذه الآليات إلى تدخلات تحفيزية أو عقابية (أسلوب العصا والجزرة). أما الأسلوب الثالث الذي يعد الأقل تكلفة فهو العمل على بناء الوعي العام.
من المتوقع أن تكون تكاليف تعديل التغير المناخي باهظة، لذا لا بد للقطاع الخاص من أن يلعب دورا بالغ الأهمية في إغلاق الفجوة في الاستثمار الأخضر بما أن الموارد المالية للحكومات محدودة. المهمة الأساسية للتدخلات السياسية تكمن في سياسة الحوافز "بوليسي رينتس" وتنبيه السوق إلى ضرورة تشجيع الاستثمارات الخاصة في هذا المجال.
لأسباب مفهومة، ينجذب المستثمرون إلى الأسواق ذات الأنظمة الشفافة وطويلة الأمد، التي تمنح الثقة بآفاق الاستثمار في البيئة الخضراء، ولكن هل تجتذب الأنظمة الحكومية أصحاب الاستثمارات الخاصة التي تدعم التنمية المستدامة؟ قمنا أخيرا في إحدى الأوراق البحثية بدراسة التفاعل بين 20 من آليات السياسة الخضراء الأكثر شعبية، ونماذج الأعمال المقابلة لها التي ظهرت ردا على سياسة التحفيز. توصلنا إلى تحديد ثلاثة أنواع من الأنماط السلوكية لسياسات الأعمال: التخلي عن المسؤولية "باك باسينغ"، والنمط الانتهازي "كاربت باغينغ"، والنمط المدفوع بالقيم.
بناء على المبدأ الأول، وجدنا أن مجتمع الأعمال الأخضر يميل إلى الاستجابة إلى إجراءات سياسة العصا، وذلك عن طريق تبني سياسة رفع التكلفة على النواحي الأخرى، على سبيل المثال، شجعت سياسة "الالتزام بتوفير الطاقة" في كل من فرنسا وإيطاليا، عديدا من شركات الطاقة في هذين البلدين على تطوير نموذج أعمال يقوم على تغطية تكاليف معدات الطاقة الأكثر كفاءة عن طريق رفع التعرفة للمستهلك، وفي الوقت نفسه تعد هذه الالتزامات آلية تمويل خضراء محتملة، يمكن بدورها أن تقلل من الحاجة إلى الدعم الحكومي المباشر.
في حين أن نموذج الأعمال لمبدأ العصا يميل إلى توليد نمط التخلي عن المسؤولية، فإن الطرح غير المنضبط الذي يقوم عليه مبدأ الجزرة غالبا ما يؤدي إلى سلوك انتهازي يهدف إلى الحصول على مكاسب مؤقتة. بالنظر إلى سياسة الرئيس الأمريكي "أوباما" نجد أنه خصص مبلغ 80 مليار دولار حوافز لدعم مشاريع الطاقة التي تتناسب مع سياستهم، ونتيجة لنهج الحكومة في اتباع سياسة "اختيار الفائز" نالت شركات الطاقة الخضراء الحصة الكبرى من هذه الحوافز، ولكن معظمها أعلن إفلاسه أو يتجه للإفلاس.
بررت عديد من الشركات الخضراء فشلها بالمبالغة في تعظيم صعوبة المنافسة مع المنتجات الصينية قليلة التكلفة. يولد مبدأ الجزرة الذي ينطوي على جانب من الأنانية، نشاطات ذات قيمة على المدى القصير دون إيجاد قيمة على المدى الطويل، ما يجعل المؤسسة عرضة للفشل. في الواقع، الهروب من احتمال الإفراط في التعويض هو ما دفع بعض الدول الأوروبية لاعتماد مخطط "التعويض بالتعرفة"، حيث تنخفض التعريفات الجمركية مع مرور الوقت وفقا لما هو متوقع مع التطور التكنولوجي والميزان الاقتصادي.
من جهة أخرى، فإن أسلوب بناء الوعي العام "الموعظة" أنتج نماذج أعمال تميل إلى الظهور استجابة لمتطلبات التغير في نظام القيم. على مدى العقدين المنصرمين، أدى الإدراك المتزايد للتدهور البيئي إلى ظهور "الأخضر" الشريحة السوقية المبنية على أساس القيم. كشفت دراسة نشرتها "هارفرد بيزنس ريفو" وأجرتها على أكثر من 1000 شركة، أن العدد المتزايد للشركات الخضراء قائم على دوافع ذاتية، خلافا للنظم الحكومية أو المنافسة السوقية. وهذا شبيه لظهور نماذج أعمال مثل تلك التي تشجع التجارة العادلة، والأغذية العضوية. من الواضح أن بعض الشرائح في المجتمع على استعداد لشراء سلع أو خدمات تتوافق مع منظومتها الأخلاقية، على سبيل المثال الغذاء الحلال للمسلمين والكوشر لليهود.
خلاصة أبحاثنا، أنه لا بد لنموذج الأعمال الأخضر المبتكر من اعتماد وإيجاد قيمة ليكون مستداما. عادة ما يكون الغرض الرئيس للشركات في مجتمع الأعمال السائد هو الحصول على القيمة؛ ومن هنا ظهرت أنماط التخلي عن المسؤولية "باك باسينغ"، والانتهازي "كاربت باغينغ" نتيجة لسياسة "العصا والجزرة". وما يتجاهله البعض أنه لا يمكن الحصول على شيء بدون إيجاد قيمة. وبعبارة أخرى، من الممكن في عالم الأعمال كسب المال من خلال تعظيم القيمة أو زيادة القيمة التي توجدها.
في الواقع المبالغة في التركيز على القيمة الجوهرية على المدى القصير قد يقوض ويضعف التنمية المستدامة للأعمال على المدى البعيد. وعلى العكس فإن المبالغة في التركيز على إيجاد قيمة يضعف من قدرة المنظمة على المنافسة وإيجاد قيمة على المدى القصير. وللخروج من هذه العقلية الضيقة للمفاضلة يقول مايكل بورتر: "لابتكار نماذج أعمال مستدامة لا بد من التركيز على إيجاد قيمة مشتركة، فاتباع هذا النهج نربط بين النجاح المالي والتقدم الاجتماعي". فالفكرة من الأطروحة المركزية لـ "القيمة المشتركة" هي أن القدرة التنافسية للشركات على المدى الطويل وصحة المجتمع تعتمدان على بعضهما بعضا؛ على الشركة التركيز على إيجاد قيمة اقتصادية بطريقة تسمح بإيجاد فوائد مجتمعية من خلال معالجة احتياجاته وتحدياته.
من المهم تبني العقلية الريادية الخضراء لمعالجة المشكلات الاجتماعية التي لم يعد من المفترض أن تكون من مسؤولية الحكومات، إضافة إلى أن عرض فكرة آدم سميث "اليد الخفية" تتطلب وقتا طويلا، من دون ذكر خطاب القيمة والعوامل الخارجية وسياسة الحوافز التي تم تبسيطها جميعا للتركيز على قضايا قصيرة الأمد.
