لا شيء مضمون في الأسواق العالمية "ولاسيما الغربية والآسيوية"، جراء تفاعلات الأزمة المتصاعدة بين الغرب وكوريا الشمالية، بسبب استفزازات هذه الأخيرة على عدة مستويات، ولاسيما تجربة القنبلة الهيدروجينية أخيرا، وإطلاق صاروخ سقط في المياه الإقليمية لليابان. أزمة كهذه، لها تداعيات خطيرة وخطيرة جدا، نظرا للسياسات الهوجاء التي يتبعها الرئيس الكوري كيم جون أون، وفي ظل غياب حوار مباشر بين الطرفين الرئيسين الولايات المتحدة من جهة، وكوريا الشمالية من جهة أخرى. علما أن البلدان المؤهلة للقيام بوساطة بين الطرفين، لم تكن فاعلة طوال الأشهر القليلة الماضية، وفي مقدمتها بالطبع الصين التي تعتبر البلد الأكثر تأثيرا على النظام الكوري، بين كل بلدان العالم.
في التطورات الأخيرة أظهرت الأسواق العالمية ارتباكا كبيرا، ولاسيما أن تفاعلات الأزمة الكورية صاحبها إعصار "هارفي" المدمر الذي ضرب الولايات لعدة أيام. غير أن الأزمة الكورية تبقى الأخطر تأثيرا في الأسواق نظرا لأنها لا تقف عند حد، بل باتت متفاعلة بصورة شبه يومية، وسط تهديدات واضحة من الولايات المتحدة برد قوي جدا على أي محاولة عدوانية كورية ضد أي من حلفاء واشنطن في المنطقة، وخصوصا كوريا الجنوبية واليابان. وكما هو معروف، اتجه المستثمرون إلى الذهب كملاذ تقليدي آمن، خوفا من وصول المواجهة السياسية الراهنة بين سيئول وواشنطن إلى نقطة اللاعودة. وبالفعل تلقى المعدن الأصفر دعما قويا من عمليات الإقبال عليه وحقق ارتفاعا، في حين أن الأنظار لا تزال منصبة عليه.
ولم يستطع الدولار الأمريكي الصمود طويلا في ظل أزمتي "هارفي" وكوريا الشمالية، وتعرض لضغوط كبيرة في الأيام الماضية، بحيث شكل الين الياباني ملاذا آمنا في الفترة المشار إليها عند المستثمرين الآسيويين، على الرغم من أن اليابان نفسها في قلب دائرة الخطر الكوري. كان طبيعيا أن تتراجع أسواق الأسهم في المنطقة الآسيوية وكذلك في البورصات الغربية الرئيسة، بينما لا تبدو في الأفق أي صيغة لتخفيف التوتر العسكري الخطير في آسيا. وإذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فإن الاضطرابات في الأسواق العالمية ستبدأ بلا شك في القارة الآسيوية لتنتقل إلى المناطق الأخرى من العالم، نظرا للترابط الوثيق بين هذه البورصات، كما أن البلدان التابعة لها معنية "كما الولايات المتحدة" بالأزمة الكورية مباشرة.
لا أحد سيكون خارج الأضرار المتوقعة من أي مواجهة أو حتى تصعيد أكبر للأزمة الكورية. كما أن تفاعلاتها ستضرب كل عامل من عوامل الاستقرار الاقتصادي العالمي، في الوقت الذي يعاني فيه هذا الاقتصاد اضطرابات مختلفة في كثير من المناطق. المواجهة المحتملة بين كوريا الشمالية والغرب ستغير المشهد الاقتصادي العالمي العام، أو على الأقل ستعيد الاقتصاد إلى مراحل تشبه تلك التي تلت الأزمة الاقتصادية العالمية. ونحن هنا نتحدث عن تصعيد المواجهة السياسية وتلك التي ترتبط بالمناورات والتدريبات والتجهيزات لا المواجهة النووية الفعلية بين الطرفين. مثل هذه المواجهة لا يستطيع أحد أن يحدد آفاقها ومخاطرها وخرابها. كما أن أحدا لا يمكنه أن يحلم بوقوع هجوم نووي ما في هذا الزمن، بعد أن شهد العالم في الحرب العالمية الثانية، ضربة نووية لا تزال آثارها ماثلة حتى الآن.
كل شيء على صعيد الأسواق العالمية سيكون مرتبطا بتطورات الأزمة الكورية في المرحلة المقبلة. ولا يوجد طرف في هذا العالم يستطيع القول إنه بمنأى عن آثارها. فالأضرار مؤكدة لكنها ستكون متفاوتة بين منطقة وأخرى.
