ثقافة وفنون

كنوز بصرية سعودية تدشن حقبة جديدة من أدب الحج

نجحت الصور الفوتوغرافية الاستثنائية لمناسك الحج في إبهار العالم، وأذنت بإحياء أدب الحج، الذي، ليعود زخماً وثرياً، يلهب مشاعر المثقفين والأدباء، ويدفعهم إلى نثر قصصهم وشعرهم هنا وهناك في وسائل التواصل الاجتماعي.

أدب غاب لسنوات
ربما كان لظهور وسائل التواصل الاجتماعي دور في غياب أدب الحج، كما كان لها الدور أيضاً في إعادة إحيائه؛ فلهفة الحاج فيما مضى كانت تملؤه لرؤية بيت الله الحرام، لتصبح اليوم الصورة سيدة الموقف، شمسها لا تغيب، كشفت للحاج عن الموقف بكافة تفاصيله، قبل قدومه إلى الديار المقدسة لسنوات وسنوات، ما أضعف عنصر التشويق والمفاجأة لدى الحاج.
وتحمِل أيضاً القضايا العصرية اللائمة على سرقتها الاهتمام من أدب الحج، فيما يعزو البعض غياب أدب الحج إلى سهولة رحلة الحج في وقتنا الحالي، في وقتٍ كان الأدباء والرحالة يدونون مصاعب الرحلة وجماليتها في كتب ومؤلفات، نالت منها وسائل الحياة الحديثة.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، نجحت - بقوة - في إحياء هذا الأدب الخلاق، الذي يحيي مشاعر إنسانية رقيقة، عزز من عودتها "جنود الكاميرا" السعوديون، الذين وثقوا رحلة الحج، وخرجوا بكنوز بصرية، تصدّرت طبعات الصحف، ودفعت المثقفين والأدباء إلى التغني بها شعراً ونثراً وتأليفاً.
ولهذه المناسبة، كشف بدر العساكر، مدير المكتب الخاص لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تغريدة عبر حسابه الرسمي على "تويتر" عن الأمير محمد برصد جميع مراحل الحج، ودعم المبدعين السعوديين في توثيق هذه الشعيرة العظيمة، لتخرج هذه الصور الإبداعية معيدة إلينا أدباً طال غيابه.

جنود الكاميرا
نجح "فرسان الضوء" في تطويع عدساتهم لنقل جمال الصورة للعالم، واستطاعوا اقتناص لحظات مميزة، منها لقطات جوية توثق مناسك الحج، وأخرى توثق استبدال كسوة الكعبة المشرفة يوم عرفة، جرياً على العادة كل عام، وما بين هذه وتلك، صورٌ أخرى للحجاج يوم عرفة، وأيام العيد، نقلت ما يشعرون به من خشوع وطمأنينة، ولامست قلوب الملايين ممن يتسمرون أمام شاشات التلفزة أو هواتفهم، فضلاً عن لقطات أخرى وثّقت جهود رجال الأمن وإنسانيتهم، وجهود الكشافة والفرق الإسعافية وكافة الفرق المساندة، التي واصلت الليل بالنهار كي يُتمّ الحجيج شعيرتهم بهدوء وسكينة.

نصوص حالمة
الفوتوغرافي رائد اللحياني كانت له لقطة رائعة، اقتنصها من الأدوار العلوية للمسجد الحرام في يوم عرفة، وتناقلها ملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر امرأة واقفة تظلل زوجها وهو يصلي، لتنال آلاف الأبيات الشعرية والأوصاف الأدبية، ورغم ذلك؛ لا تكاد الحروف تصف نقطة من بحر معاني الصورة العميقة، لشدة جماليتها.
رائد وعد في تغريدة على موقع تويتر برواية قصة الصورة كاملة، بعد أن تواصل مع بطل الصورة، وإلى ذلك الحين، لا نملك سوى الاستمتاع بما تحمله الصورة من معنى، وما يصفه الأدباء ويطلقونه من كلمات عليها.
عضو مجلس الشورى، والمدير العام للموسوعة العالمية للأدب العربي "أدب"، الأستاذ عبدالله السفياني حوّل الصورة إلى نص حالم حينما كتب فيها "الشمس تدرك أني شمس غرتها.. فاهنأ بشمسك، واسجد أيها القمرُ"!
أما الكاتب والأديب أدهم الشرقاوي فوصفها بقوله: "كان لها رجلاً، فكانت له أربع نساء، وكان لها قمراً، فحجبت عنه الشمس كأنها ترتل"، "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر".
أما الشاعر السعودي سليمان الصقعبي فنثر شعره على الصورة قائلاً:
احتواها..
وأهدى لها قلبٍ وعين
ومن وفاها..
فلّت لعينه ظلها..
وصلى لربه ركعتين.
الصورة مشبعة بالحب والإخلاص، كتب فيها الدكتور فواز اللعبون:
اسجد لربِّكَ لا تَهَبْ شمسَ الضحى
ظِلّي سَحابٌ فوقَ روحِكَ ينهمي
اليومَ أنتَ ببعضِ ظلي تحتمي
وغداً بظلِّكَ في القيامةِ أحتمي
ولعل ما نختم به التعليقات على هذه الصورة، ما اختاره اللحياني لها من وصف حينما غرّد بما قاله مصلح القرني عنها على "تويتر"، حيث كتب "كان يناديها بالقمر.. فكسفت عنه الشمس محبة".

أزهار الحرم
الكاميرات التلفزيونية والفوتوغرافية نجحت أيضاً في نقل الصورة التي تليق بالحج ومناسكه، وأظهرت روحانية الأجواء، من بينها الصورة الشهيرة للطائفين في صحن الحرم المكي، أثناء طواف الإفاضة يوم النحر، حيث يحمل الحجاج مظلاتهم اتقاءً لحرارة الشمس، فجذبت ألوانها الربيعية أنظار العالم.
المشهد المهيب أظهر الحجاج وكأنهم زهوراً، فطالهم أدب المثقفين والشعراء، وحتى المتابعين من دون أن تكون لهم إنتاجات وإصدارات أدبية، لكن المشهد كان أكثر هيبة، وأخرج ما بداخلهم من مشاعر.
أحد أكثر الأوصاف مساً للقلوب، هو تعليق الإخصائية النفسية لولوة المسفر على الصورة، حيث قالت فيها "وكأن مكة أزهرت بحجيجها"، فيما كتب آخر "وكأنهم في بقاع بيت الله أزهاراً"، وثالث زاد "هنا بستان زهور تتوسطه الكعبة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون