في مثل هذا اليوم من كل عام، يقف الحجيج مودعين البيت الحرام، وبقدر الفرح الذي ملأ القلوب والسعادة، أن يسر الله الحج وأكمل هذا الركن العظيم بأمن وأمان، بقدر الحزن على فراق المشاعر والحجر والركن والمقام الكريم، بقدر الحزن على ليالي منى والصفا، لكن العزاء أن كل حاج من حجاج بيت الله سيغادر إلى أهله وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه بإذن الله مجيب الدعاء واسع العطاء. سيعود الحاج إلى أهله وهو يحمل ذكريات لا تنسى وآمالا أن يعود إلى هذه البقاع الطاهرة مرة أخرى. وسيعود الحجاج كل عام وتعود أفراحهم وآمالهم معهم يرعاهم الله وترعاهم أيد أمينة وعيون ساهرة. وفيما يحمل الحجيج حقائبهم وذكرياتهم الجميلة معهم يبدأ جنود الحج في المملكة العربية السعودية بالعمل الدؤوب من أجل التخطيط لاستقبال العالم مرة أخرى في العام المقبل. ستبدأ الاجتماعات من أول يوم ينتهي فيه الحج وتستمر في نشاط حتى مثل هذا اليوم من العام المقبل. من اليوم سيتم تدارس كل التطورات التي شهدها حج هذا العام سواء في نوعية الحجاج وثقافاتهم ومعرفتهم بالحج وأركانه، أو من تطور في وسائل النقل والتواصل مع الحجاج، وغيرها كثير وحتى الأمراض التي ظهرت والعمليات التي تمت. كل ذلك وغيره سيدرس ليتم التخطيط لمثل هذه الأيام في العام المقبل، لتعود السعادة والبهجة بيوم التروية والتصعيد إلى عرفة والنفرة إلى مزدلفة وصولا إلى دفع جموع الحجيج إلى مشعر منى والبدء في رمي جمرة العقبة وأداء طواف الإفاضة. فهي خبرات تراكمت على مدى السنوات وستزداد مع مقبل الأيام، ذلك أن أسلوب العمل متطور ويتطور كلما تطورت ثقافة الناس وطرق معيشتهم. وإذا كانت بعض الدول تخطط وتتعلم من أجل تنفيذ حدث عالمي لمرة واحدة في عمرها، فإن المملكة تخطط وتستضيف العالم في كل عام.
من أراد أن يعرف حجم التحدي، ففي هذا العام حج أكثر من مليوني مسلم استقلبتهم المملكة من كل بقاع العالم ولغاته. مليونا مسلم رموا الجمرات وطافوا بالبيت العتيق، وصلوا خلف المقام. مليونا مسلم تم نقلهم بين المشاعر بالنقل بالطريقة التقليدية وهو نظام الرد والردين، والنقل بالنظام المتطور الترددي، ويغطي أكثر من 750 ألف حاج، ثم النقل بالقطار الذي رفع كفاءة منطقة المشاعر المقدسة ويغطي 350 ألف حاج. حجاج من مختلف العالم تم التخاطب معهم من خلال قنوات شتى منها كتيبات خاصة بالتفويج بعنوان "الخطة التنفيذية لتفويج الحجاج في المشاعر المقدسة"، وورش عمل عقدتها وزارة الحج قبل دخول موسم الحج، وبرامج خاصة لخطة تفويج المغادرين، وكلها بهدف سلامة وانسيابية حركة الحجاج. النجاحات التي تتحقق كل عام تأتي بفضل الله، ثم بفضل ما أعدته حكومة المملكة العربية السعودية من خطط مسبقة، وتدريبات متقنة ومنها تدريبات قوات التدخل السريع والرصد والإنقاذ الجبلي التابعة للدفاع المدني، التي تنفذ فرضيات كثيرة ليس أقلها التدريبات المعدة لمواجهة السيول والأمطار، ويشارك فيها أكثر من 32 جهة حكومية، إضافة إلى فرق الغوص التابعة للقوات البحرية الملكية السعودية، ومن حرس الحدود إلى جانب فريق الإنقاذ المائي في الدفاع المدني.
كل هذه الجهود وغيرها كثير جدا أسهمت وتسهم كل عام في هدف واحد فقط، أن يأمن الحاج في حجه ويتفرغ لعبادة ربه، وأن يجد مردودا اقتصاديا مثمرا جدا في كل ما أنفقه حتى وصل إلى هذه البقاع الطاهرة راجيا عفو ربه. جهود بذلت حتى في متابعة عمليات الحج الوهمية والحجاج المخالفين، فتم ضبط أكثر من 121 مكتبا مخالفا هذا العام وأحيلوا إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات النظامية بحقهم، وبلغ عدد المخالفين لأنظمة الحج الذين تمت إعادتهم من مداخل مكة المكرمة والبهيتة 575.227 مخالفا، فيما بلغ عدد المركبات المعادة لمخالفتها أنظمة الحج 251.372 مركبة، وعدد المخالفين الذين تم تبصيمهم لاستكمال الإجراءات النظامية بحقهم وملاحقتهم قانونيا بلغ 17.362 مخالفا، أما الناقلون المخالفون فبلغ عددهم 41.728 ناقلا.
واليوم والحجاج يغادرون نقول كل عام وهذه البلاد بخير وعزة، في كنف حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. كل عام والحجاج قادمون مستبشرون بدولة ترعاهم وتكفل حجهم، لا يضيع فيها حقهم، ولا يظلم منهم أحد، ولا يمنع عن بيت الله مسلم يتبع خطى النبوة.
