يبدو أن البنك المركزي الأوروبي لا يملك أي خيار يذكر سوى تخفيض برنامجه لشراء السندات البالغ تريليوني يورو العام المقبل، سواء ارتفع التضخم في منطقة اليورو أم لا.
في نيسان (أبريل) أدى تحسن الاقتصاد إلى جعل البنك المركزي الأوروبي يقلص عمليات شرائه بمقدار 20 مليار يورو شهريا لتصبح 60 مليار يورو، ما يزيد من التوقعات بأن صناع السياسة سيضعون جدولا زمنيا لمزيد من التقليص التدريجي في الأشهر القليلة المقبلة.
الخطاب الذي سيلقيه ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، في التجمع السنوي لمحافظي البنوك المركزية الذي يبدأ الخميس في جاكسون هول، سيكون موضع التركيز الأساسي للأسواق.
في الوقت الذي يحاول فيه المتداولون استخلاص أي مؤشر على نياته، سيواجه دراجي تحديا يتمثل في أن السندات التي يمكن للبنك المركزي الأوروبي شراؤها آخذة في النفاد. القواعد تقيد عمليات الشراء إلى ثلث السندات المتداولة في كل بلد - وعرض السندات الألمانية والبرتغالية بشكل خاص يتضاءل تدريجيا.
يقول هارفيندر سيان، وهو محلل لدى سيتي جروب: "تحديد الدولة المصدرة 33 في المائة لسندات الخزانة الألمانية يضبط مسارا للخروج (من برنامج الشراء)، بغض النظر عن توقعات التضخم".
في الوقت الذي يوجه فيه البنك المركزي الأوروبي مسارا للعودة إلى السياسة النقدية الطبيعية، يتخرط البنك المركزي الأوروبي في رقصة حساسة مع البيانات الاقتصادية والأسواق. اقتصاد التكتل الأوروبي القوي لم يحقق بعد التضخم المستدام الذي يصر دراجي على أنه ضروري قبل أن يكون بالإمكان سحب التحفيز غير المسبوق.
تضخم منطقة اليورو كان 1.3 في المائة في تموز (يوليو)، وكان يتجه نحو الانخفاض منذ أن بلغ هدف البنك المركزي الأوروبي؛ 2 في المائة، في شباط (فبراير). قوة اليورو تلقي بثقلها أيضا على الأسعار.
قبل تخفيف برنامج التسهيل الكمي، يريد دراجي رؤية زيادة "تدوم طويلا" في الأسعار. ووفقا لـ "بلومبيرج"، ويقدر محللون أن تضخم الأسعار الاستهلاكية سيكون بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2018. وإذا تبين أن هذا الإجماع قريب من الدقة ولو من بعيد، فإن مخاوف البنك المركزي الأوروبي بخصوص الإمدادات سوف تتعمق.
وعلى الرغم من أن ألمانيا تملك واحدة من أكبر أسواق السندات السيادية في القارة، إلا أن وضعها الاقتصادي القوي يعني أن إجمالي مخزونها من السندات لم يزد كثيرا.
وبحسب صندوق النقد الدولي، من إجمالي السندات الحكومية البالغ 2.1 تريليون يورو في ألمانيا، يملك البنك المركزي الأوروبي أكثر من 400 مليار يورو. ويمكن أن يصل البنك المركزي الأوروبي إلى سقفه البالغ 33 في المائة من عمليات شراء السندات الألمانية في وقت قريب، ربما يكون شباط (فبراير)، كما تقدر سيتي جروب. وهذا قد يجبر البنك المركزي على تخفيف برنامج التسهيل الكمي بشكل انتقائي، بحيث يستمر في شراء سندات البلدان الطرفية بينما يخرج من أسواق السندات في ألمانيا.
الحد الأقصى لعمليات الشراء يقترب في حالة بعض البلدان الأصغر أيضا. فبحسب تقديرات "يو بي إس"، يصل البنك المركزي الأوروبي إلى الحد الأقصى فيما يتعلق بالسندات البرتغالية والهولندية والإيرلندية في الربيع المقبل.
مثل هذه القائمة المخفضة ستكون بمثابة مشكلة للبنك المركزي. يقول نوربيرت أوول، وهو خبير استراتيجي في "يو بي إس": "برنامج شراء الأصول سيتحول تماما نحو عمليات الشراء في فرنسا وإيطاليا".
ويتعرض البنك المركزي الأوروبي منذ الآن إلى الهجوم من أعلى محكمة في ألمانيا، التي تقول إن هناك أسبابا للاعتقاد بأن عمليات شراء السندات تنتهك القانون الأوروبي. وقد أحيلت المسألة إلى محكمة العدل الأوروبية.
ويقول بعض مراقبي السوق إن البنك المركزي الأوروبي بدأ تحولا سريا بعيدا عن السندات الألمانية، إلى حيث السندات الإيطالية تشكل حصة أكبر من عمليات الشراء.
يقول ريتشارد تيرنيل، كبير خبراء استراتيجية الاستثمار العالمي في "بلاك روك"، إن الإمدادات المنخفضة تعني أن البنك المركزي "في خطر تقليص التحفيز في وقت أقرب من المطلوب".
لذلك إذا لم يرتفع التضخم، هل بإمكان دراجي الحصول على المزيد من الوقت من خلال تغيير القواعد؟ وسع البنك المركزي بالفعل نطاق الكيانات التي لديها سندات مؤهلة، ورفع النسبة من الجهات المصدرة فوق الوطنية من 33 في المائة من مخزون السندات المستحقة إلى 50 في المائة.
لكن مع الضغط القانوني من ألمانيا، يبدو أنه سيكون من الصعب رفع السقف.
رفع عتبات الشراء للبلدان سيكون بمنزلة مشكلة. فقد وصفه البنك المركزي الأوروبي بأنه حد ملزم، والسياسيون في ألمانيا هددوا باتخاذ إجراء قانوني إذا تغير ذلك الموقف.
ويحظى دراجي بدعم من البنك المركزي الألماني ومن فولفاجانج شويبله، وزير المالية الألماني، بشأن شرعية برنامج التسهيل الكمي - ولن يرغب في المخاطرة بفقدان ذلك.
ويرى سيان أن على البنك المركزي الأوروبي "أن يخطو بحذر". وقال إن بعض المستثمرين "يفترضون أن البنك المركزي الأوروبي سيتخلى ببساطة" عن الحد الأقصى لشراء السندات الوطنية. غير أن مثل هذه الخطوة ستكون ممكنة فقط في سياق تصفية عمليات شراء الأصول.
ويضيف سيان أن تقليص المبلغ الإجمالي الشهري إلى 30 مليار يورو من شأنه أن يعطي البنك المركزي الأوروبي المجال "لإبقاء الظروف المالية متساهلة إلى أقصى حد ممكن في إيطاليا" من خلال التركيز على شراء السندات الإيطالية والفرنسية والبلجيكية.
تقول رينوكا فيرنانديز، المحللة الاستراتيجية لأسعار الفائدة لدى "نومورا"، إن هناك نقطة إيجابية محتملة بالنسبة إلى دراجي تأتي من جدول تواريخ الاستحقاق لسندات البلدان المختلفة. فأكثر من 50 مليار يورو من السندات الألمانية يحتفظ بها البنك المركزي الأوروبي يقع تاريخ استحقاقها في السنة المقبلة، مقارنة بـ 34 مليار يورو في حالة السندات الفرنسية و24 مليار يورو من السندات الإيطالية.
وتقول: "أي تخفيف تدريجي للمشتريات يرجح له أن يتعرض للوهن بسبب عمليات الاسترداد. هذا يشير إلى أن البنك سيستمر في دعم السندات الألمانية".

