التوطين .. خلط بين الحرية والمسؤولية

|
سنتطرق في حديثنا اليوم إلى موضوع لا يضاهيه في الأهمية أي موضوع آخر، أو هكذا يجب أن يكون. فمنذ أكثر من 40 عاما والسعودة، أو توطين الوظائف، هي شاغلنا الشاغل. ومع ذلك، فلا نزال في دوامة من أمرنا؛ بسبب كثرة المتناقضات العشوائية في محيط العمل والعوائق البيروقراطية، والخلط بين حرية صاحب المال ومسؤوليته تجاه أبناء الوطن. فباب الاستقدام يكاد يكون "مخلوعا". والحصول على تأشيرات جلب العمالة الأجنبية أسهل بكثير من توظيف المواطن. ومعظم الرواتب التي تقّدم للمواطنين لا تتناسب على الإطلاق مع مستوى المعيشة في بلادنا، وهو أمر لا ذنب فيه لجيل الشباب والشابات في مجتمعنا، إلى جانب غياب شبه تام لدى أصحاب الأعمال بمسؤولية المواطنة التي تعني، في مفهومنا، التنازل عن جزء من دخلهم وأرباحهم مقابل تشغيل وتدريب وتأهيل شباب الوطن. وفي الوقت نفسه، فمن حق أصحاب العمل على المواطن الجدية والمثابرة ومواصلة الخدمة التي ينص عليها عقد العمل. وأي إخلال ببنود العقد يتحمل الموظف مسؤوليته بأن يمنع من العمل عند أي جهة أخرى منافسة، حتى يدفع كامل مستحقات تكلفة تدريبه وتأهيله، أو كما يحدد نظام العمل والعمال في هذا المجال. ولا نرى وجه حق لمنح أصحاب الأعمال حرية كاملة للتصرف حسب رغبتهم تجاه توظيف مواطنيهم من عدمه، خصوصا أن مصدر ثرواتهم في الغالب هو من ثروة البلاد، وهو ما أوجب عليهم ضريبة المواطنة نحو بقية أفراد الأمة، ليس أقلها تفضيل توظيفهم على غير المواطنين. ومتى ما شعر صاحب العمل، أفرادا وشركات، بحرية اتخاذ القرار نحو تفضيل المواطنين على الوافدين، فإنهم حتما سيتبعون الأسهل والأقل تكلفة وأفضل أداء، ولذلك فمسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا توظيف المواطن وتدريبه بصرف النظر عن أي اختيارات أخرى، فالأمر بأيدينا، ولا نحتاج إلى أكثر من فرض التوظيف والتدريب والتأهيل كجزء من وثيقة ترخيص المشاريع. ولا بد من أن نمر بمرحلة انتقالية صعبة من الوضع الحالي في السماح لاستقدام من هب ودب من العمالة الأجنبية دون أي ضوابط، وحرمان أبناء الوطن من فرص العمل لأسباب من الممكن التغلب عليها، فمستقبلنا يحتم علينا بذل مزيد من الجهد لإحلال المواطن مكان الأجنبي، مع قبول ما يترتب على ذلك من تدن في الأداء، وارتفاع في التكلفة خلال السنوات القليلة القادمة، ولكنه إجراء لا بد منه، ولا خيار لنا غيره إذا أردنا أن نبني اقتصادنا على أسس حقيقية ومتينة، وهو ما نحن بحاجة إليه في عهد ما بعد البترول. ونكاد نجزم أن هذه الفلسفة هي روح "رؤية 2030"، حتى لو لم يكن ذلك واضحا ظاهريا. فلا يصح أن تمضي عقود ونحن نحاول بشتى الطرق، التي لم يسعفها الحظ، تأهيل المواطنين ليحلوا محل العمالة الأجنبية في المراكز المنتجة، أو ذات القيمة المضافة. ولا بد من دراسة إخفاقنا في الوصول إلى الأسباب الرئيسة لعدم نجاح مخططاتنا. فالعمالة الوافدة تزيد، أو هي بالأحرى تتضاعف، مع مرور الوقت. وتبعا لذلك، فنسبة كبيرة من شبابنا يتجهون إلى الأعمال الناعمة التي لا تنشئ نموا اقتصاديا ذاتيا. وقد لا يكون لذلك حاليا مظهر سلبي ما دام لدينا دخل كبير من البترول، ولكن إذا استمر الوضع على النمط الذي نحن عليه اليوم، وانخفض دخل البترول، كما هو متوقع، فإن ذلك سيربك خططنا المستقبلية. تخيلوا عندما ينخفض الدخل قسريا نتيجة لنضوب البترول، وحدوثه أمر وارد. ومن ثم تخلصنا، بطبيعة الحال، من العمالة الأجنبية لعدم الحاجة لهم، فإننا حتما لن نجد حينها من المواطنين من لديه التدريب الكافي والكفاءة لشغل الوظائف ذات المردود الاقتصادي. ليس قصورا في الشباب، ولكن بسبب عدم إعطائهم الفرص المناسبة، مع وجود فائض المال الآن وطفرة الاستثمار. مع بدء ارتفاع مستوى الدخل في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، اتجهنا إلى إنشاء مشاريع صناعية وبنية تحتية ضخمة. حينها لم نكن نملك الخبرة الإدارية ولا الأيدي الوطنية المؤهلة للقيام بتنفيذها. فكانت النتيجة المتوقعة هو فتح باب الاستقدام على مصراعيه. وكان المنطق آنذاك يحتم علينا فرض توظيف وتدريب وتأهيل المواطنين، ليعملوا جنبا إلى جنب مع العمالة الأجنبية في مختلف المهن وحسب مخطط وطني يكون هدفه في نهاية المطاف الاستغناء عن الاستقدام، إلا في حالات خاصة. مع الأخذ في الاعتبار أن المواطن له الحق في دخل يتناسب مع مستوى المعيشة في بلادنا، وليس بالضرورة يتساوى مع العمالة الرخيصة. وذلك لنصبح شعبا يعتمد على الله ثم على قدراته الذاتية. ولكن الواقع أننا وجدنا أنفسنا نغرق في الاستقدام الذي أنسانا مسؤولياتنا الوطنية وأهمية مستقبل أجيالنا. وأضفنا إلى استقدام عمالة المصانع والمنشآت، عمالة تقوم بالأعمال الخدمية التي زادت من رغبتنا الركون إلى الراحة والميل إلى تأدية الأعمال الناعمة التي في الغالب لا تضيف كثيرا إلى اقتصادنا الوطني الذي أصبح بحكم ممارساتنا اقتصادا ريعيا بامتياز.
إنشرها