تعميم ينسف مبادرات التطوير

|

لقد استغربت وأنا أقرأ التحذير شديد اللهجة الذي وجهه الدكتور وليد الصمعاني وزير العدل لكتابات العدل في المحاكم الأسبوع الماضي، وشدد فيه على التحقيق والمساءلة لأي مسؤول في كتابات العدل يقوم بإفراغ صك تملك دون توقيع الوزير شخصيا. ووجه الوزير في تعميمه الذي نشرته الصحف بالتأكيد على كتابات العدل بالتقيد بالتعاميم والتعليمات السابقة بشأن عدم قبول أي مكاتبات ترد لكتابات العدل تتعلق بالإفراغ لصكوك التملك إلا بموجب كتاب موقّع من الوزير. وقد كنت أتساءل هل فعلا كان الوزير جادا في تعميمه هذا؟ وماذا لو زار الوزير نفسه عينة عشوائية من كتابات العدل ورأى الزحام وطوابير الانتظار التي لم تتغير مع السنين؟ وهي تنتظر دورها من أجل خدمات عادية يمكن الحصول عليها من خلال المنزل. وهل يدرك الوزير أن الحصول على الصكوك الآن يستغرق شهورا إن لم يكن سنوات؟ إن هذا الشرط الذي اشترطه الوزير لا يتناسب مع الواقع الذي تعيشه الدولة في توجهها نحو اختصار الإجراءات والتسهيل على المواطنين والاستفادة من التقنية والعمل المؤسسي. والتقيد بهذا الشرط شبه مستحيل إلا إذا تفرغ الوزير لتوقيع الصكوك المفرغة تماما ولا أظنه سيفعل في زحام مشاغله اليومية، والإحصائيات تقول إن محكمة الرياض وحدها أفرغت العام الماضي 12800 صك تملك، بمعدل ألف صك شهري وبمعدل يقارب 35 صكا يوميا، فهل يعرف الوزير كم يستغرق من الوقت لتوقيع 35 صكا بشكل يومي من محكمة واحدة؟ وماذا عن بقية المحاكم وصكوكها الأخرى؟ من سيوقعها؟ وماذا عن التعميم السابق الذي أصدره وزير العدل قبل تسعة أشهر طالب فيه كتابات العدل باختصار الإجراءات، والتسهيل على الناس، ودمج كثير من الإجراءات التي تتعلق بالصكوك في إجراء واحد بهدف التسريع وتسهيل خدمة الناس؟ ألا يشكل هذا تناقضا واضحا حين يطلب الوزير تسريع وتيرة العمل واختصار الإجراءات ثم يطالبهم بالرفع للوزارة وبتوقيعه شخصيا على كل صك؟! ولا يقف التناقض عند هذا الحد، فهناك مبادرة سابقة أعلنتها الوزارة بخصخصة كتابات العدل وإسناد مجموعة من خدماتها للقطاع الخاص ممثلة بمكاتب التوثيق والمحاماة وهي خطوة كان لها أصداء إيجابية في التخفيف على كتابات العدل وتطوير خدماتها لتكون أكثر سهولة للمستفيدين، ولكن بمثل هذا التعميم غير المدروس تنسف كل الجهود والمبادرات التطويرية. وإذا كان مقصد الوزير الحد من بعض الشبهات أو عمليات التزوير التي طالت بعض الصكوك فلا أظن هذا الإجراء سيكون حلا جذريا بل في ظني سينقل المشكلة إلى قلب الوزارة، والحل الحقيقي يكمن في العمل المؤسسي وتعزيز الحوكمة والشفافية، والعمل التقني المنضبط وهو ما تفتقده وزارة العدل في هذه المرحلة. فهل يملك الوزير شجاعة الرجوع عن الخطأ؟

إنشرها