الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 13 مايو 2026 | 26 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

المجتمعات المهنية السعودية

طلال الجديبي
طلال الجديبي،
طلال كمال الجديبي
الجمعة 11 نوفمبر 2016 2:15

البداية دائما من العنصر البشري. لن يفلح أي نموذج اقتصادي تنموي دون تعظيم فوائد الموارد البشرية الموجودة وتحسين أدائها ونتائجها. وفي هذا الجانب نجد أن التعليم يحظى محليا بالقدر الأكبر من الانتباه والجدل، سواء كان الحديث عن كفاية أعداد ومخرجات الجامعات والكليات أو المواءمة بين خريجي التعليم وسوق العمل. يركز كذلك كثير من الجهود الحكومية على المهارات والجدارات التي يحتاج إليها القادمون الجدد لسوق العمل ضمن جهود محاربة البطالة، وربما تحظى بعض المهن المحدودة بنشاط مهني متنام ضمن سياق المؤسسات المهنية النظامية التي تدعمها الجهات الإشرافية بشكل رسمي. ما يغيب فعليا، هو المجتمعات المهنية السعودية الناضجة والمرنة التي تقود المهنة والمنتمين إليها نحو تحقيق أكبر استفادة من العنصر البشري المتخصص.

يمكننا تعريف المجتمع المهني بشكل مبسط بأنه الكيان الذي يرعى مصالح المنتمين لمهنة معينة فيما يتفق مع المصلحة العامة. يختلف الدور المنظور هنا حينما نتحدث عن جمعية رسمية تمارس دورا محددا ترعاه أو تتطلبه التنظيمات المرتبطة بهذا المجال - مثل الهيئات السعودية للمهندسين والمحاسبين القانونيين والمقيمين المعتمدين والتخصصات الصحية - وبين الدور الذي تقوم به تجمعات المهنيين الذين يسعون إلى إضافة مزيد من الزخم المهني في مجال عملهم مع الاندماج الإيجابي في المجتمع بشكل أكثر مرونة وإبداعا. أعتقد أن الواقع يتطلب بشكل سريع جدا وجود تفاعلات أخرى تقوم بالتكامل مع الهيئات والجمعيات المهنية الرسمية في شكل دوائر وتجمعات مهنية بهويات مبتكرة تكتسب ما يكفي من المرونة للتركيز على الجوانب الأخرى التي لا تغطيها الجمعيات الموجودة، وتسمح بخروج إبداعات الأعضاء على أرض الواقع بدلا من الاقتصار على تبادل الأفكار والشجون.

تطورت التجمعات المهنية في المملكة خلال السنوات الماضية بشكل كبير ومتباين. وفي حين تفوقت بعض الهيئات المهنية على مستوى المنطقة وشكلت نموذجا يمكن التعلم منه، تعاني بعض المهن اختفاء أو ضعف أنشطتها وتفاعلاتها بشكل مخيف يثير كثيرا من الأسئلة حول مستقبل هذه المهن ومستقبل مواردها البشرية على المستوى المحلي. تكوين تجمعات مهنية فاعلة على المستوى الوطني بشكل نظامي يحقق التوافق بين كل المنتسبين للمهنة ويصنع النتائج، ولكن انتظار ذلك يكلف كثيرا من الوقت والموارد؛ لذلك تشكل التجمعات المهنية البديلة الأصغر حجما وربما الأكثر تخصصا – أو حتى تلك متعددة التخصصات - التي تنشأ عن المبادرات التطوعية الفردية حلا ملائما لهذا النقص المؤثر. وحتى حين تنشأ الهيئات المهنية الكبرى الجامعة، ستحتفظ الأشكال الأخرى من التجمعات المهنية بسماتها المميزة التي تجعل وجودها المتوازي مطلبا دائما ومستمرا.

تسمح مرونة التجمعات المهنية الأهلية بتغطية أوسع لأدوار جديدة ومختلفة، إذ يمكن لروادها الاهتمام بزوايا معينة تبنى على اهتماماتهم البحثية أو التطبيقية أو التوعوية، وتتواءم مع رؤيتهم في كيفية رعاية مصالحهم المهنية ومواءمتها مع الحاجات المحلية. ويمكن كذلك أن يفعل تركيزهم على مسائل أكثر عمقا في تخصصاتهم أو السعي لحماية تطور مهنتهم وسد الفراغ الحاصل باستجابة سريعة ومؤثرة وتجاوز البيروقراطيات والتقاليد. التقنية والوجود الجغرافي والمناطقي وواقع منشآت القطاع الخاص وفرص الإبداع والتجديد، كلها عوامل تسمح بتنمية هذه التجمعات المهنية وتعود بالفوائد الجمة على هذه الدوائر نفسها، ما يسمح بتشكيل نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها وتكرارها وتعود بالنفع على المستوى الوطني. أما الحديث عن الفوائد الشخصية فهو حديث طويل يبدأ من بناء العلاقات المفيدة إلى الاندماج والنجاح المهني المتكامل.

حظيت قبل عدة أيام بفرصة المشاركة في مثل هذا النوع من التجمعات المهنية لمتخصصي المحاسبة والمالية، وعلى الرغم من حداثة هذا التجمع إلا أن نتائجه كانت محسوسة ورائعة. أرى كذلك عديدا من الدوائر المهنية في مجتمعات ريادة الأعمال خصوصا الجانب التقني منها؛ وأسمع عن نشاط إيجابي عند الأطباء ولكنه بلا شك أقل من المطلوب. لا أشعر بوجود أنشطة مشابهة للمعلمين والصناعيين وكثير من أصحاب المهن الأخرى الذين يستطيعون بأعدادهم الكبيرة وتفرعاتهم المتنوعة المبادرة بعشرات وربما مئات التجمعات المهنية المؤثرة. لا أشك في وجود نماذج ناجحة ولكن أتمنى أن يقوم القائمون عليها بإخراجها إلى الضوء وتوثيق تجاربهم دعما لهذه المهن وللقادمين الجدد من بعدهم. يقوم جزء كبير من هذه الأنشطة على المبادرات الشخصية وعلى قدراتنا على استغلال الكيانات التي تحتوي هذه الموارد البشرية المؤهلة، سواء كانت منشآت حكومية أو خاصة أو جهات تعليمية أو مهنية. وهنا مربط الفرس، لا بد أن يربط كل مهني يفكر بشكل جدي في الارتقاء بنفسه، المساهمة في بناء ودعم مجتمعه المهني بخطته المهنية الشخصية، ومثل هذه المساهمة جزء لا يتجزأ من عناصر النجاح المهني الأصيلة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية