الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بعيدا عن الصور التذكارية لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة "السبع" التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان، حيث يظهر الجميع مبتسما وعلامات السرور ترتسم عن الملامح، وبعيدا عن البيانات الصادرة باتفاق الجميع على ضرورة دعم الجهود الاقتصادية الدولية من أجل رفع معدلات النمو، إلا أن الواضح أن تلك الحوارات الجانبية والثنائية تعكس مشهدا مخالفا لذلك تماما.

فحجم الخلافات والتناقضات بين الدول الأعضاء وتحديدا اليابان والولايات المتحدة يصعب إنكاره أو إخفاؤه، وتباين الرؤية والاتجاه خرج من نطاق السرية إلى العلن بشكل صريح، والفجوة بين تصورات كل طرف حول السياسية المالية الواجب اتباعها لإخراج الاقتصاد الدولي من أزمته، بدت شديدة الاتساع، أما الحديث عن التهديد بحرب عملات مكتومة بين المشاركين فحدث ولا حرج.

ولربما وصل الخلاف هذه المرة إلى مرحلة نادرة الحدوث لم تشهدها الاجتماعات السابقة على الأقل علانية، فقد وجه جاكوب ليو وزير الخزانة الأمريكي تحذيرا إلى نظيره الياباني تارو آسو من إقدام البنك المركزي الياباني على التدخل في أسعار صرف الين، وهو التحذير الذى قابله الجانب الياباني بمسعى لامتصاص التوتر لإنجاح الاجتماع المنعقد على أراضيه.

وعلق الوزير الياباني قائلا "إنه لم يكن هناك جدل حاد، ولكن من الطبيعي أن يوجد خلاف بين البلدان حول كيفية تقييم كل منهما لتحركات الآخر، فيما يتعلق بأسعار الصرف، وهو تعليق دبلوماسي لكنه لم يفلح- في نظر كثيرين- في تجاوز الأزمة الأمريكية اليابانية حول أسعار الصرف.

وفي ظل ذلك المشهد المحتدم يصبح السؤال حول مكمن المشكلة الحقيقية لمجموعة السبع سؤالا منطقيا؟ الدكتور كيربيس تد أستاذ الاقتصاد الدولي والاستشاري في الأمم المتحدة يعتقد أن مشكلة مجموعة "السبع" تكمن في افتقادها أفكارا جديدة قادرة على إخراج الاقتصاد الدولي من عثرته.

وأضاف لـ"الاقتصادية، أن السياسات النقدية التي اتبعت في أعقاب الأزمة الاقتصادية، باتت مع مرور الوقت عبئا متزايدا على الاقتصاد الكلي على المستوى الدولي، فتلك السياسات أضحت في حالة نزاع نتيجة عدم إمكانية توجيه أسعار الفائدة في جميع البلدان في اتجاه واحد، فإذا نظرنا إلى أسعار الفائدة على المستوى الدولي، فسنجد أنفسنا أمام نطاق متنوع، ابتداء من أسعار الفائدة السلبية كما في اليابان، مرورا بأسعار فائدة تقارب الصفر في بعض البلدان، وأخرى منخفضة للغاية، كما هو الحال في بريطانيا، وأسعار فائدة في طريقها للارتفاع كما في الولايات المتحدة. وأشار كيربيس تد إلى أن السياسة النقدية التي انطلقت قبل ثمانية أعوام، تبدو الآن متناقضة من بلد إلى آخر، وهذا يستبعد إمكانية وجود حل جماعي قادر على النهوض بالاقتصاد العالمي، ويذهب إلى أبعد من ذلك ويشير إلى أن مجموعة السبع لن يمكنها في المستقبل القيام بعمل فعال إذا واصلت استبعاد الاقتصاد الصيني والروسي والهندي، فهذه البلدان لا بدَّ من إدراجها في الحوار الاقتصادي العالمي، وعزلها يعزز المناخ الانعزالي في الاقتصاد الدولي، وبدون ذلك لن يكون لدى المجموعة القدرة على التأثير في الاقتصاد الكوني.

ولكن بالعودة إلى الخلاف الأمريكي الياباني حول أسعار الصرف فما هو جوهر المشكلة وكيف يمكن لها أن تتطور وهل بالفعل تلوح حرب عملات في الأفق؟ ويبدو الأمر في جوهره تقليديا للغاية، فالين الياباني آخذ في الارتفاع، وهذا يضعف الصادرات اليابانية ويفتح المجال للشركات الأمريكية باقتناص الفرصة وزيادة حصتها التصديرية على حساب المصدرين اليابانيين، خاصة في مجالي السيارات والتكنولوجيا، وبالطبع فإن هذا الوضع يضر بالمصالح اليابانية، ما استدعى وزير المالية تارو آسو إلى الحديث عن إمكانية تدخله للحد من الزيادة المتواصلة في قيمة الين، ما أثار حفيظة الجانب الأمريكي ودفعه إلى التحذير من مغبة قيام البنك المركزي الياباني بذلك.

وذكر الوزير الأمريكي طوكيو بتعهداتها الدولية بهذا الشأن خلال قمة العشرين الأخيرة، وبالطبع ردت اليابان بالقول إن التدخل لوضع حد "للتكهنات" بشأن عملتها، لا يتناقض مع تعهداتها لمجموعة "العشرين" بعدم التدخل لتحديد أسعار الصرف.

ولتر كاست من مجموعة "لويدز" المصرفية يؤكد أنه إذا لم تسع طوكيو وواشنطن للتوصل إلى حل وسط خلال القمة المقبلة لقادة وزعماء مجموعة السبع التي تستضيفها اليابان أيضا الأسبوع المقبل فإن إمكانية خروج الوضع عن السيطرة ستلوح في الأفق.

وأوضح لـ "الاقتصادية"، أن الطرف الفرنسي والألماني هما الأكثر سعيا إلى حل الخلاف الأمريكي الياباني، وتأكيد ميشال سابان وزير المالية الفرنسي بأنه من المستبعد أن تقدم أي دولة على استخدام سلاح أسعار الصرف لتعزيز مكانتها الاقتصادية، تكشف عن قلق كبير بإمكانية خروج الوضع عن السيطرة، وفي هذه الحالة سيكون اقتصاد منطقة اليورو أحد أكبر المتضررين من هذا الصراع.

إلا أن المثير خلال الاجتماعات أن التحذير الأمريكي لطوكيو تجاوز الحديث عن أسعار الصرف ليمتد إلى ما اعتبره بعض الاقتصاديين تدخلا أمريكيا مباشرا في تحديد السياسات الاقتصادية الداخلية لليابان.

وأشار لـ"الاقتصادية"، سيمون ستانفورد الباحث في الاقتصاد الآسيوي، إلى أن وزير المالية الأمريكي لم يتوان خلال الاجتماع من تحذير طوكيو من الإفراط في استخدام السياسة النقدية لإصلاح الاقتصاد الياباني وتحفيزه على النمو، معربا عن وجهة نظر واشنطن أن اليابان في حاجة إلى إصلاحات هيكلية، كما لم يبد الجانب الأمريكي ترحيبا كبيرا بالسياسة الضريبية لليابان، داعيا إلى تأجيل الزيادة المقررة هذا الشهر لضريبة المبيعات، وبصرف النظر عن كيفية تلقي الجانب الياباني لتصريحات المسؤولين الأمريكيين، فإنه لا يوجد اتفاق داخل المجموعة حول نسب السياسة النقدية والضريبية والإصلاح الهيكلي داخل إجمالي حزمة الإصلاح المطلوبة في الاقتصاد الدولي.

لكن الخلافات لم تنحصر فقط في النزاع المستفحل بين الأمريكيين واليابانيين، وإنما بدت ألمانيا وكأنها تغرد خارج السرب تماما، حتى مع حلفائها داخل الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وإيطاليا، فبينما اعتبرت الدول المشاركة أن مواصلة العمل بسياسات نقدية مرنة ومتساهلة، تعتمد مواصلة سياسة التيسير الكمي عبر طبع مزيد من العملة وضخها في الاقتصاد الوطني لدعمه، لم ترحب ألمانيا بهذا المنطق الاقتصادي، واعتبرت أن إصلاح الهياكل الاقتصادية هو الحل الجوهري للأزمة الاقتصادية العالمية، وليس ضخ المزيد من الأموال.

وتقول لـ "الاقتصادية"، الدكتورة ساندرا ميلر أستاذة مادة التضخم في جامعة كمبريدج، إن تباين الموقف الألماني عن باقي أعضاء المجموعة، يكشف عن شرخ واضح في إمكانية تبني سياسات جماعية قادرة على تحقيق ما يصبو إليه قادة مجموعة السبع من دفع عجلة النمو الاقتصادي العالمي، فالاقتصاد الألماني هو حجر الزاوية لمنطقة اليورو، لكن ألمانيا تتبنى إجراءات تقشفية مفرطة، وتجاهر بأن ذلك هو المدخل الحقيقي للإصلاح عبر خفض الإنفاق، وهو ما يتناقض تماما مع موقف ماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي حتى مع موقف واشنطن، وإذا ما تواصل الخلاف، فإنه يصعب التكهن باستقرار الأسعار عالميا، أو أن تنجح التغيرات في السياسة النقدية أو حتى الضريبية في رفع معدل النمو للاقتصاد العالمي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية