الجمعة, 4 سبتمبر 2026|21 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

على أعتاب الثمانين - التي سيصلها في منتصف الشهر المقبل - يتوج المخرج البريطاني كين لوتش نهجا واقعيا نقديا سار عليه طوال أكثر من نصف قرن من حياته المهنية بعمل سينمائي، حظي باحتفاء نقدي واستقبال حافل في الدورة 69 من مهرجان كان السينمائي.

يقدم لوتش في "انا دانيال بلاك" أحد أجمل أفلامه وأكثرها تأثيرا، ويصل فيه إلى ذروة خبرته في جعل مشاهديه يتماهون مع أزمة بطله، ونموذجه الإنساني، الذي يمثل الإنسان العادي البسيط الذي يسحق وسط اختلالات النظام الاقتصادي المهيمن وما ينتجه من اغتراب وأزمات اجتماعية.

إنها سينما تهدف إلى إيجاد هذا الشعور بالتضامن، وبالتالي تحض على الفعل والعمل على التغيير، وهو ما يجيده كين لوتش الذي بات يقف على رأس هذا النهج الواقعي النقدي منذ سلسلة أعماله التلفزيونية التي قدمها لـ "بي بي سي"، منذ منتصف الستينيات مرورا بأعماله السينمائية التي تزيد على 30 فيلما.

وببساطة ساحرة وتقشف في استخدام التقنيات السينمائية، يقدم لنا لوتش جماليات تنهل من العادي والمألوف واليومي، في عمل يذكرنا بأعمال الواقعية الجديدة الإيطالية التي تربى لوتش عليها.

فتراه يرصد لحظة إنسانية صافية، ويحرص على إدخال مشاهده في قلبها في نوع من التقمص العاطفي، مالئا إياه بمشاعر الغضب والتعاطف والتضامن.

ولا شك أن لوتش في هذا النهج يقف على حافة الميلودراما، ولكن من دون السقوط في فخاخها، بفعل خبرته وبراعته كصانع سينمائي مميز. إنه يستخلص من الحياة اليومية وعبر تلك الأدوات البسيطة المقتصدة قالبا فنيا له جلال تراجيديا إغريقية.

في هذا الفيلم يعود صاحب أفلام "الريح تهز الشعير" - المتوج بالسعفة الذهبية لكان 2006 -، "أرض وحرية"، "أغنية كلارا"، "أنجلز شير" - جائزة لجنة التحكيم في كان 2012 - و"ايرش روت" - والأخير تدور أحداثه في العراق -، إلى موضوعات سبق أن عالجها بصيغة أخرى في عمله التلفزيوني المبكر لـ "بي بي سي"، "كاتي تعود إلى البيت" 1966، حيث تنهار حياة كاتي وشريك حياتها ريج الذي يصاب ويفقد عمله، لتنتهي إلى الشارع بلا مأوى وبلا حتى أطفالها الذين تأخذهم إدارة الرعاية الاجتماعية.

بُني الفيلم على شخصية دانيال بلاك، التي استخلصها السينارست بول لافيرتي بعد بحث لأسابيع ومقابلات مع أشخاص في المنظمات الخيرية التي ترعى المعوقين والعاطلين عن العمل وزيارات ميدانية لبنوك الطعام، التي تقدم خدماتها للمشردين والمعدمين، فضلا عن أحاديث مع السكان في مجتمع مدينة نيوكاسل البريطانية.

وهذا هو النهج الواقعي الذي دأب عليه كاتب السيناريو لافيرتي في معظم سيناريوهاته التي تبنى على تجربة واقعية وبحث ميداني فتكاد تقترب في الغالب من الدراما الوثائقية "ديكو دراما"، وبات الشريك المفضل للوتش في أعماله الأخيرة منذ تعاونهما في فيلم "أغنية كلارا" عام 1996 الذي بني على تجربة لافيرتي في العمل في منظمات حقوقية في نيكاراجوا ووسط أمريكا اللاتينية في ثمانينات القرن الماضي. إذ درس لافيرتي الفلسفة والقانون وعمل في المحاماة قبل أن يتحول إلى كتابة السيناريو مع لوتش.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية