الخميس, 10 سبتمبر 2026|27 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

"ثلاث ساعات يوميا كافية تماما"، بحسب ما كتب جون ماينارد كينز في مقال نشر في عام 1930 حول الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا. لا يزال المقال يستثير قراءه اليوم، جزئيا بفضل توقع يبدو رائعا بحق - وهو أنه في الاقتصادات المتقدمة يمكن أن يكون الناس في عام 2030 أفضل حالا ثماني مرات ما كانوا عليه في عام 1930- مقرونا بتوقع يبدو خاطئا بشكل مذهل، وهو أننا سوف نعمل لمدة 15 ساعة في الأسبوع.

في عام 2008، حرر الاقتصاديان لورينزو بيتشي وجوستافو بيجا كتابا تفكر فيه اقتصاديون مرموقون حول مقال كينز. أعاد أحد المساهمين، بينجامين فريدمان من جامعة هارفارد، أخيرا النظر في مسألة الخطأ الذي وقع فيه كينز، وخلص إلى إجابة مثيرة للتفكر.

أولا، من المهم استخلاص طبيعة الخطأ الذي وقع فيه كينز ومدى ذلك الخطأ. لقد كان محقا في التنبؤ بأننا سوف نعمل ساعات أقل. فنحن ندخل سوق العمل في وقت لاحق، بعد مساقات دراسية طويلة وليست دائما شاقة. ونحن نتمتع بفترات تقاعد أطول. وأسبوع العمل نفسه آخذ في النقصان. في قطاع العمالة غير الزراعية في الولايات المتحدة، كانت ساعات العمل في الأسبوع 69 ساعة في عام 1830 - ما يعادل العمل لمدة 11 ساعة يوميا، لكن فقط ثلاث ساعات أيام الأحد من كل أسبوع. بحلول عام 1930 كانت مدة أسبوع العمل بدوام كامل 47 ساعة، وفي كل عقد، كان يعمل العمال الأمريكيون ساعتين أقل أسبوعيا.

لكن كينز بالغ في تقدير مدى سرعة استمرار ذلك الاتجاه ومدته الزمنية. بحلول عام 1970 انخفض أسبوع العمل إلى 39 ساعة. لو كان أسبوع العمل قد استمر في النقصان، لكنا نعمل الآن 30 ساعة أسبوعيا، وربما 25 ساعة أسبوعيا بحلول عام 2030. لكن بحلول عام 1970 توقف التراجع. لماذا؟

أحد الردود هو أن الناس لن يشعروا بالرضا أبدا، ربما الرغبة في الاستهلاك يمكن استثارتها من قبل المعلنين، وربما أن الشخص يشعر بأنه لا بد له من الحصول على سيارة أفضل، ومطبخ أفضل ما لدى الجيران. وبما أن الجيران يصبحون أكثر ثراء أيضا، لا شيء يتعلق بهذه العملية يسمح لأي أحد الحصول على إجازة.

لا شك أن هنالك كثيرا من الصحة في هذا. لكن فريدمان يتخذ منحى مختلفا. بدلا من أن نتساءل كيف كان يمكن أن يكون كينز على حق تماما إزاء الدخل لكن على خطأ تماما إزاء وقت الفراغ، يشير فريدمان إلى أن كينز ربما لم يكن محقا تماما إزاء الدخل كما نفترض عادة. لفترة من الوقت، توسع الاقتصاد الأمريكي بسرعة حتى أزمة عام 2007، وبدأ متوسط دخل الأسر في الركود قبل ذلك بفترة طويلة - نحو عام 1970، في الواقع.

يمكن تفسير الفجوة بين نمو الاقتصاد ونمو دخل الأسر من خلال مجموعة من العوامل المختلفة، بما في ذلك التغير في طبيعة الأسر نفسها، إذ إن مزيدا من الدخل يجري تحويله الآن إلى تكاليف الرعاية الصحية، والحصة المتزايدة من الدخل المستحقة لأصحاب أعلى المكاسب. باختصار، ربما توقف التقدم نحو أسبوع العمل لمدة 15 ساعة لأن دخل الأسرة الأمريكية الأنموذجية تجمد أيضا. بدأت دخول الأسر في الركود في الوقت نفسه الذي توقف فيه أسبوع العمل في التقلص.

تبدو هذه الفكرة منطقية تماما إلا أنها لا تفسر ما يحدث لذوي الدخل الأعلى. بما أن دخولهم لم تدخل حالة من الركود - بل الأمر على العكس تماما - قد يتوقع المرء أنها تأخذ بعض فوائد الأجور المرتفعة جدا على شكل أيام أقصر وعطلات أطول في نهاية الأسبوع. الأمر ليس كذلك. وفقا لبحث نشره الاقتصاديان مارك أجيار وإيريك هيرست عام 2006 - لقطة لطيفة للحياة قبل الركود العظيم - كان ذوو الدخل المرتفع يتمتعون بوقت فراغ أقل.

وعليه فقد اتخذ اللغز شكلا مختلفا. فالناس العاديون يتمتعون بقدر معين من كل من مكاسب الدخل ومكاسب وقت الفراغ التي توقعها كينز - لكن يتمتعون بقدر أقل من كل منهما ما كنا نأمل.

في الوقت نفسه، تواصل النخب الاقتصادية تجسيد مفارقة، جميع مكاسب الدخل التي توقعها كينز والمزيد، لكن مع وقت محدود للفراغ والترفيه.

السبب المحتمل لهذا هو أنه في كثير من المهن من الصعب اقتحام المناصب العليا دون العمل لساعات طويلة. ليس من السهل الوصول بنجاح إلى الجناح التنفيذي من خلال العمل 20 ساعة أسبوعيا، بغض النظر عن الموهبة التي يتمتع بها الفرد. ولأن توزيع الدخل يشكو من انحراف كبير، تكون الرهانات عالية، العمل لمدة 70 ساعة أسبوعيا مثلما كان الحال عام 1830 مرة أخرى ربما يعيدك إلى مسار الحصول على مكافأة كبيرة جدا، في حين أن العمل لمدة 35 ساعة أسبوعيا ربما يعيدك إلى مسار الأشخاص الذين تجاوزوا فترة القدرة على العطاء.

يمكن أن تظهر الآثار المترتبة على كل هذا في أماكن غير متوقعة. كما تشير ورقة بحثية قدمها الاقتصاديون لينا إدلوند، وسيسيليا ماتشادو، وماريا ميكايلا سفياتشي، كانت المراكز الحضرية في الولايات المتحدة عبارة عن أماكن غير مرغوبة للعيش فيها في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. وقد دفع الناس مبالغ إضافية للعيش في الضواحي وكانوا يتنقلون يوميا بالمواصلات إلى مراكز المدن للعمل. انعكس الوضع الآن. لماذا؟ الإجابة، بحسب ما تقترح إدلوند وزميلتيها، هي أن الأغنياء لم يعد لديهم الوقت للسفر والتنقل. وسيدفعون أكثر مقابل الحصول على شقق ضيقة في وسط المدينة إن كانوا بذلك يمكنهم توفير الوقت.

إذا كان هناك عدد محدود من الشقق في وسط المدينة وكان زملاؤك الأغنياء يتهافتون عليها، ما الذي يمكنك فعله؟ العمل بجد أكثر. تبلغ تكلفة المنازل، مثل منزل كينز الأنيق في بلومزبيري، ملايين الجنيهات. والعمل ثلاث ساعات يوميا ليس كافيا ولو من بعيد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية