أولى الخطوات لتنفيذ «الرؤية»

13 يوما تقريبا هي الفترة التي تفصل بين إعلان «رؤية المملكة 2030»، وإعادة هيكلة أجهزة الدولة التي ستضطلع بمهام تنفيذها. ففي السابع من أيار (مايو) صدر عدد من الأوامر الملكية التي تصب في هدف تنفيذ «رؤية المملكة 2030» التي أقرها مجلس الوزراء برئاسة خادم الحرمين الشريفين ـــ حفظه الله ورعاه ـــ في 25 نيسان (أبريل). هذه القرارات ركزت على عنصر مهم لنجاح الرؤية يتمثل في إعادة هيكلة أجهزة الدولة لتتناسب مع «الرؤية» الجديدة. وهذه الهيكلة هي الخطوة الأولى الضرورية لضمان تنفيذ «الرؤية» بأجهزة تتناسب مع أهدافها وتطلعاتها. في مقال الأسبوع قبل الماضي الذي عنونته بـ "المفاهيم الجديدة لرؤية 2030" وأشرت فيه إلى أن السبب في عدم تحقيق خطط التنمية السابقة لما تتطلع إليه المملكة من حيث تنويع القاعدة الاقتصادية يعود إلى أن المفاهيم لم تتغير، وأننا كنا نعيد إنتاج الجهاز الحكومي الذي يقود عملية تنفيذ هذه الخطط. والواقع والتجارب لمن سبقونا تؤكد أنه لا يمكن أن تتم إدارة عملية التغيير بالمفاهيم نفسها التي كانت سببا في فشل الخطط السابقة.
وتؤكد القرارات الملكية التي صدرت الأسبوع الماضي أن القيادة ماضية في تغيير هذه المفاهيم من خلال الارتقاء ــــ ليس فقط بالأهداف ـــ ولكن أيضا بالأجهزة التي ستضطلع بتنفيذ «الرؤية» لتحقيق هذه الأهداف. فأحد المرتكزات الرئيسة التي تم بناء «رؤية 2030» عليها يتمثل في ثلاثة عناصر رئيسة: الاستفادة من العمق العربي والإسلامي للمملكة، تعزيز القوة الاستثمارية لتكون رائدة في العالم، والاستفادة من الموقع الجغرافي المميز لتربط المملكة بين القارات الثلاث. وإعادة هيكلة بعض الوزارات والأجهزة الحكومية جاءت لتتناسب مع هدف تحقيق هذه «الرؤية». فإعادة الهيكلة شملت عددا من الوزارات التي تمثل عنصرا مهما في تنفيذ «الرؤية» وتحقيقها وشملت وزارة الحج، ووزارة البترول والثروة المعدنية، ووزارة التجارة والصناعة، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الزراعة. كما شملت عملية إعادة الهيكلة إعادة تنظيم ارتباط بعض الأجهزة الحكومية كمجلس المنافسة، وصندوق التنمية الصناعي، وهيئة المدن الصناعية، وبرنامج التجمعات الصناعية، وهيئة تقويم التعليم العام. كما أنها أيضا شملت إنشاء أجهزة جديدة كهيئة الترفيه، والهيئة العامة للثقافة.
ففيما يتعلق بتعزيز العمق الإسلامي ركزت «الرؤية» على تفعيل الإمكانات التي ـــ حباها الله ـــ المملكة بوجود الحرمين الشريفين والبقاع المشرفة وإتاحة الفرصة لمزيد من الزائرين لأداء العمرة خصوصا في ظل توافر البنى التحتية التي أنشأتها المملكة خلال السنوات الماضية. وتغيير مسمى وزارة الحج إلى وزارة الحج والعمرة يعكس الدور الذي يجب أن تلعبه الوزارة لتنفيذ هذا الجانب من «الرؤية» لتحقيق هدف رفع عدد المعتمرين والزائرين للأماكن المقدسة. وضم وزارة الشؤون الاجتماعية لوزارة العمل، يسهم في الربط بين معالجة الجانبين الاجتماعي والاقتصادي لتكون مهمة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا ترتكز إلى تعزيز وجود المواطن في سوق العمل فقط، ولكن لتأخذ في الحسبان الجوانب الاجتماعية المهمة التي سيسهم توفير العمل للمواطن في معالجتها. وهذا بدوره سيعزز من مهمة وزارة العمل لأنها لا تستهدف فقط تحقيق هدف اقتصادي ولكن ذلك يتعداه إلى تحقيق أهداف اجتماعية لها انعكاساتها الأمنية أيضا.
وزارة البترول والثروة المعدنية كان لها النصيب الأكبر من إعادة الهيكلة وهو في نظري الجانب الأهم فيها. حيث إن تغيير اسم الوزارة إلى وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية يعكس الرغبة في تحول المملكة من بلد معتمد على النفط فقط، إلى دولة تعتمد على الاستثمار بمفهومه الشامل، وهو ما يحقق هدف التنوع الاقتصادي من خلال تنويع عوائد الاستثمارات. وربط الطاقة بمفهومها الشامل "النفط والطاقة المتجددة" مع الصناعة هو أمر في غاية الأهمية ويحقق التكامل بين القطاعين، حيث إن أحد أكثر العوائق التي تواجه الصناعة في المملكة هو عدم توافر الطاقة سواء من الغاز الطبيعي أو الكهرباء والتي تستهلك الصناعة كمية كبيرة منها. أخيرا، سيسهم هذا التغيير في وضع سياسة طاقة شاملة للمملكة بجميع عناصرها (النفطية والمتجددة) ولتتكامل مع بعضها البعض. هذا يعني أن المملكة مقبلة على توسع كبير في الطاقة المتجددة خصوصا الطاقة الشمسية.
وأخيرا، فإن إعادة هيكلة وزارة الزراعة لتشمل مهامها المياه والبيئة هو أمر في غاية الأهمية ويعكس الارتباط الوثيق بين هذه الجوانب الثلاثة. كذلك، فإن ذلك سيمكن المملكة من وضع سياسة مائية تشمل جميع القطاعات بما في ذلك القطاع الزراعي الذي يستهلك نسبة كبيرة جدا من المياه. كذلك، فإن التوسع في الصناعة والمدن جاء في كثير من الحالات على حساب المحافظة على البيئة وعلى الأراضي الصالحة للزراعة، ما سيتطلب أن يكون هناك دور لهذه الوزارة في وضع السياسات البيئية للمملكة التي تسهم في تعزيز هذا القطاع.
هناك الكثير مما يمكن الإشارة إليه بخصوص إعادة الهيكلة التي أعلن عنها أخيرا، لكن ملخصها هو أنها تمثل الخطوة الأولى الضرورية لوضع «رؤية المملكة 2030» موضع التنفيذ. وهي ترسل رسالة قوية للداخل والخارج إلى أن القيادة مصممة على نجاح المملكة في تحقيق أهداف «الرؤية» بجميع عناصرها والانتقال بالمملكة إلى مرحلة جديدة من النمو والتنمية الاقتصادية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي