الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

إصدار شهر أيار (مايو) من مجلة "سالاري مان" ومجلة "إنتربرايزينج جابان" هما الغذاء الأساسي للموظفين الذين يسافرون يوميا إلى العمل، ملفات تعطي معلومات عن الرؤساء التنفيذيين البارزين، تتنافس مع انتقادات أسعار الفائدة المنخفضة، وحكايات ساخرة عن حياة المكاتب ودليل للتعبيرات الرائجة في عالم الأعمال. الإعلانات تبيع منتجات مصنوعة بحرفية، وساعات ذات تكنولوجيا عالية، وآلات تدليك كهربائية لموظفي اليابان المرهقين لكن العصريين.

المجلتان تعودان إلى عام 1936 عندما كانت تربية الشارب أمرا ضروريا من الناحية العملية، وكان يتم تسويق الكباسات باعتبارها أروع الأجهزة في مجال الأعمال.

لكن الموظف الإداري الحديث - النمط المعروف عالميا الذي يمثل اليابان المرهقة من العمل، والتفكير الجماعي، والمثقلة بالواجبات - يمكن التعرف عليه بوضوح في الصفحات الصفراء الخاصة بالموظفين في دليل الهاتف. وهذا النوع من الموظفين موجود منذ نحو 100 عام ـ وبقاؤه الطويل هذا، كما يجادل بعضهم، يعد كارثة وطنية. يقول هارو شيمادا، رئيس جامعة شيبا للتجارة، إن أيديولوجية الموظف الإداري خدمت البلاد بشكل جيد في أعوام ازدهارها، لكن بالنسبة لبلاد تواجه نموا بمعدل الصفر "فهذا أمر فظيع".

بالنسبة لقرّاء مجلة "إنتربرايزينج جابان"، ولعدة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، كان الموظف الإداري بمنزلة بطل اقتصادي رائع لا يتعب ولا يقهر. ولاؤه وعمله وحبّه صفات رسمت ملامح أمّة اختارت - أولا على أساس نفعي ولاحقا على أساس العادة - الشركة باعتبارها المؤسسة المهيمنة. الحياة المؤسسية والاجتماعية والعائلية في اليابان حبيسة في مدار حول أخلاقيات العمل، وحساب النفقات، والوضع الأمثل الذي تجسده الوظيفة مدى الحياة. أراد الرجال أن يكونوا أصحاب مكانه، والنساء أردن الزواج بهم، وأرادت الحانات استضافتهم حتى الساعة الثانية صباحا، والشركات الطموحة أرادت أكبر عدد من الموظفين على هذه الشاكلة يُمكنها الحصول عليهم.

لكن في عام 2016، الموظف الإداري - المتردد، والحساس للمخاطر، مع قائمة متنامية من فشل الشركات - تحوّل من كونه شيئا ثمينا إلى عبء. بالنسبة لمختصي الاقتصاد الذين يرون إصلاح سوق العمل باعتباره أمل اليابان الوحيد، فهو يُعدّ من بين التهديدات الأخبث في البلاد. يقول كويتشي ناكانو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صوفيا في طوكيو، إن هوية كثير من الرجال اليابانيين الذين يعملون في المكاتب مرتبطة بالتفكير الجماعي واحترام السلطة. "إنها على العكس تماما من الإبداع والسلوك الأصلي الذي يحتاج إليه الاقتصاد في هذه المرحلة".

بالنسبة لرئيس الوزراء، شينزو آبي، الذي يكافح لمنح سياسات النمو في "برنامج آبي الاقتصادي" الخاص به زخما على المدى الطويل، الذي أعلن الشهر الماضي أن أكبر تحدٍ يواجهه هو "إصلاح الطريقة التي تعمل بها اليابان"، فإن الموظف الإداري يمثّل عقبة من المحتمل ألا يتسنى تجاوزها، كما يقول علماء ومحللون ماليون.

الأمر المثير للدهشة، أن هناك اتفاقا على الأسس. يمزح أجاوا، المسؤول التنفيذي الأعزب البالغ من العمر 41 عاما في شركة خدمات لوجستية في مقاطعة إكيبوكورو في طوكيو، مع اثنين من الموظفين الجدد، قائلا، "اعتقد أن بإمكانك القول إننا غير مبدعين في العمل".

يقول أوجاوا، الذي طلب عدم استخدام اسمه الأول، "لا يبدو أننا نجعل الاقتصاد ينمو ولا يبدو أننا نزيد من عدد السكان. لكنني لن أكون سلبيا. يجب علي تشجيع هذين الشخصين على العمل بجدّ".

حتى تنمو اليابان بوتيرة يمكنها أن تدعم ديون الحكومة الإجمالية البالغة نحو 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتعوّض شيخوخة المجتمع الذي سيشهد متقاعدا واحدا مقابل كل اثنين من العاملين بحلول العقد المقبل، فهي بحاجة إلى الابتكار وتحقيق مكاسب في مجال الإنتاجية، ونشر أفضل لرأس مال المخاطر، وترقية أفضل للنساء، والمزيد من الإصلاحات الهيكلية.

الموظف الإداري الذي تم توظيفه بشكل دائم، الذي يعد جزءا لا يتجزأ من شركة واحدة، ويمثل الأغلبية العظمى من الموظفين الإداريين، ومحميا من خلال فطرة الشركات، ومتجه نحو الترقية على أساس الأقدمية، لن يفشل فقط في تحقيق أي من تلك الأهداف، كما يقول المختصون، لكنه سيقاومها بقوة.

يقول شيمادا، إن ما تحتاج إليه اليابان في المقام الأول هو سوق عمل سائلة، مع حركة الموظفين الذين هم في منتصف حياتهم المهنية. الموظف الإداري الذي يتقوض أساس وجوده، سيضمن أنها لن تحصل على سوق عمل من هذا القبيل.

ويضيف، "في سياق برنامج آبي الاقتصادي، مفهوم وممارسات الموظف الإداري سيئة للغاية. قبل 40 عاما الإنتاجية الإجمالية في اليابان كانت من بين أعلى النسب، الآن منخفضة جدا والسبب هو أنهم يتلقّون أجرا مقابل وقتهم. نحن نعرف المشكلة، لكن لا يمكننا مجرد الخروج من هذه التقاليد الصارمة. آبي يواجه مقاومة كبيرة، لقد فعل نحو عشر ما كان مقررا أن يفعله".

هل تستحق التضحية؟

الانتقادات للموظف الإداري صريحة على نحو متزايد، والأقوى تأتي من الموظفين الإداريين أنفسهم. هناك نوعان من خطوط الهجوم. واحد من جيل كبير في السن شق طريقه بصعوبة، وتعاسة، عبر جولات متعاقبة من إعادة الهيكلة ويتساءل الآن ما إذا كانت حياة العمل الشاق، والليالي المتأخرة العقابية، وما كان بمنزلة تعهد بإهمال عائلة الفرد، تستحق فعلا كل هذا العناء. الآخر من الجيل الجديد الذي يحب فكرة الاستقرار، لكنه ينظر إلى التضحية على أنها مفارقة تاريخية مرعبة.

يقول أحد التابعين لأوجاوا، بصوت منخفض أثناء ذهاب الرئيس إلى الحمام، "لقد قمت بعملية التوظيف بأكملها، لذلك عرفت أن هذا سيحدث، لكن لا يمكنني أن أصدق فعلا أنني أصبحت موظفا إداريا الآن. أنا أعرف ما هي الثقافة، لكنني لا أعرف ما إذا كنت استطيع العيش فيها".

مع ذلك، الإدانة الأشدّ للموظف الإداري ربما تأتي من هيروشي موتوميا، فنان الرسوم الكرتونية الكوميدية الذي كان ابتكاره "ساراريمان كينتارو" من بين الأبطال الأكثر إثارة لإعجاب الجماهير التي درجت على مدى 20 عاما على السفر يوميا إلى مواقع العمل. المآثر الأسبوعية لبطل الرواية الموظف يبدو أنها تحتفي بالموظف الإداري.

يردّ موتوميا الذي يقول، إنه يستطيع من خلال الرسوم الكرتونية إطلاق العنان للانتقاد الذي لا يستطيع ذكره علنا، "الموظف الإداري هو عبد، ونظام الموظف الإداري يدمر هذه البلاد. هناك الكثير من الواجبات، لكن دون تحمّل المسؤولية. إنهم ينظرون إلى الداخل. كل ما يفعلونه هو أنهم يتمسكون بوظيفتهم بعناد فقط ويحاولون تدمير أي شخص يتميز".

ثقافة الموظف الإداري هي بشكل متزايد هدف الرقابة العامة في الوقت الذي تندلع فيه فضائح الشركات وتزداد النزاعات العمالية. في فضائح توشيبا، وميتسوبيشي موتورز، وأساهي كاسي، حيث ظهر أن البيانات عن الحسابات والانبعاثات كانت مزورة على مدى عدة أعوام، انكشف فشل الموظف الإداري بشكل خاص. ولاؤه الذي يميل إلى الشركة، والخوف من السلطة الداخلية، يأتي على حساب الزبائن والمجتمع بشكل واضح، كما يقول كاتسومي هارا، الأستاذ في جامعة واسيدا، الذي درس تاريخ الموظف الإداري. عندما حللت لجنة برلمانية الأحداث المحيطة بالكارثة في محطة فوكوشيما دايشي للطاقة النووية، خلُصت إلى "أنه يمكن العثور على سببها الأساسي في التقاليد المتأصلة في الثقافة اليابانية، وطاعتنا التي تأتي دون تفكير، والتردد في التشكيك في سلطة ’المفهوم الجماعي".

بالنسبة لكثير من المراقبين، كانت فوكوشيما نتيجة مأساوية لأمة كانت قد وضعت مصيرها في أيدي كل من الموظفين الإداريين والبيروقراطيين الذين أصبحوا يتصرفّون مثلهم.

من مقاتل إلى نعجة

حتى بنك اليابان، مع صنابير النقود مفتوحة على نطاق واسع والانكماش لا يزال يشكل تحديا، قد يفقد ثقته بالموظف الإداري باعتباره مصدرا للاستهلاك.

منذ منتصف التسعينيات، كانت أجور الموظفين بدوام كامل راكدة تقريبا، متوسط الأجور في 219 شركة كبيرة في اتحاد الأعمال الياباني - معقل الموظف الإداري - ارتفعت بنسبة 0.44 في المائة فقط بين عام 1995 والعام الماضي. في كشوفات مهينة الصيف الماضي، شينسي بانك، الذي يتعقّب 40 عاما من البيانات عن "مصروف الجيب" الذي يحصل عليه الموظفون الإداريون من زوجاتهم، حسب أن المصروف انخفض إلى أدنى مستوياته منذ 33 عاما.

يقول البروفيسور هارا، إن توقّعات نهاية الموظف الإداري تزداد في كل مرة يرتفع أو ينخفض فيها الاقتصاد. وخلال الأعوام الـ 15 الماضية وحدها، أعلن الناس بثقة زوال، وإحياء، وزوال الموظف الإداري.

ويضيف، "التركيز الحقيقي ينبغي أن يكون على الطريقة التي تحول بها ما كان في الماضي مقاتلا صاحب مشاريع ذات تفكير مستقل إلى نعجة".

لكن حتى مع زوال هالتهم وخيالائهم منذ فترة طويلة، يمكن أن يتبيّن أن من الصعب تسريحهم. في وقت لاحق هذا العام، عندما يضع آبي قمة مجموعة السبع وانتخابات مجلس الشيوخ وراءه، من المتوقع أن يقود حملة أخرى لتشجيع الشركات على اعتماد الأجر القائم أكثر على الإنتاجية - خطوة من المحتمل أن تغير وجه سوق العمل في اليابان وتجبر الشركات والمجتمع على تقييم العمل من خلال شيء غير ساعات العمل.

تقول ماشيكو أوساوا، المختصة في اقتصاديات العمل في جامعة النساء في اليابان، إن الشركات قادرة على النجاح فقط باستخدام ذلك المقياس، لأن النظام الوطني بأكمله - التوقعات بأن النساء لن ينخرطن في العمل كي يتفرغن لعائلاتهن، والقبول بأن الموظفين هم عبيد لأصحاب عملهم - بُني حوله.

وتقول، "الأجر القائم على الإنتاجية يتعارض مع ثقافة الموظف الإداري، وكذلك أيضا سوق العمل السائلة حيث يكون الناس قادرين على الخروج". وتضيف، "الموظفون الإداريون بالتأكيد يرون الانتقادات، لكن لا يمكنهم فعل أي شيء حيالها، لذلك هم مكتئبون ومرهقون. المنظمات ستحافظ على عقلية الموظف الإداري فيها، على الرغم من سياسة الحكومة، إلا أن أسواق العمل السائلة ستجعل الناس موظفين إداريين بشكل أقل".

حاول آبي هذا في عام 2015، لكنه لم يحرز أي تقدم يذكر. قلة من الناس هي التي تعتقد أن ذلك سينجح هذه المرة، لأن النقابات العمالية ومجموعة ضغط الأعمال لا تدعم الأجر القائم على الإنتاجية.

ومهما كانت الإصلاحات التي يحاولها آبي، تقول البروفيسورة أوساوا، فإن الموظف الإداري ومحاولاته لحماية موقعه ستكون مستميتة، مضيفة أن التركيبات السكانية جعلتها أكثر ترسخا.

في الوقت الذي يتقاعد فيه المؤسِسون الحيويون، أصحاب المشاريع الذين كانوا وراء الشركات التي خرجت من رماد الحرب العالمية الثانية، فإنهم يتركون وراءهم جيلا من "الرؤساء التنفيذيين الإداريين" مسؤولين عن تلك الشركات - مسؤولون تنفيذيون لم يعملوا سوى في شركة واحدة وغالبا ما كانت حياتهم المهنية بمنزلة متمحورة حول تجنب المخاطر. وهؤلاء، كما يقول محللون، ليسوا مستثمرين بارعين أو مروجين للابتكار.

تقول البروفيسورة أوساوا، "هناك بعض الشركات الجديدة في اليابان التي تتحدث عن التنوع والابتكار والأفكار الجديدة، لكن الموظف الإداري يتعارض مع تلك الأشياء". وتضيف، "إنهم يتبعون الأوامر، ولا يقترحون أفكارا جديدة، ويطبقون القواعد ببساطة لتجنب خطأ عدم تطبيق القواعد. ويفعلون ذلك دون الأخذ في الحسبان ولو مرة واحدة ما إذا كانت تلك القواعد لها أي معنى أو تأثير على الإنتاجية".

لكن مثل عدد قليل من الآخرين، ترى البروفيسورة أوساوا بالفعل بعض المجال للتفاؤل، لا سيما حيث التراجع في ثقافة الموظف الإداري يمكن أن يفسح مجالا أكبر للفرص بالنسبة للقوة العاملة من النساء ـ التي لا تتقدم بشكل مستمر في اليابان.

أعوام طويلة من الأجور المنخفضة وزخم خطاب آبي المتعلق "بتعزيز دور المرأة في الاقتصاد" يعنيان أن اليابان على وشك الانتقال إلى مجتمع مزدوج الدخل. وتقول أوساوا، إن هذا لا يترك أي مجال لحياة الموظف الإداري المُرهقة، والمجتمع سوف يتكيّف مع قاعدة جديدة. موتوميا، الذي يعبث بصورة أخرى لبطله كينترو داخل غلاف كتاب، غير مقتنع. يقول، "مستقبل اليابان المصنوع من قِبل الموظف الإداري، أو من أجله، سوف يواجه الكثير من المخاطر".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية